الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات والتداعيات

سهام يوسف علي

2026 / 1 / 28
الادارة و الاقتصاد


العالم اليوم يتحرك بسرعة نحو اقتصاديات قائمة على الوفرة والمعرفة، حيث تُولَّد القيمة باستمرار عبر الابتكار، والتكنولوجيا، والتعليم التقني. الدول التي حققت تحولات اقتصادية ناجحة لم تعد تجعل من تضخم القطاع العام أو عدد الموظفين معيارًا للقوة، بل باتت تقيس قدرتها على إدارة الموارد بذكاء، خلق القيمة الحقيقية، ضبط الإنفاق، وتحويل الأموال من الإنفاق الاستهلاكي غير المنتج إلى استثمارات مستدامة في الإنسان، والبنية التحتية، والتقنية.
في المقابل، نجد أنفسنا في العراق محاصرين بين خيارين يبدوان وكأنهما من زمن اقتصادي مختلف: تخفيض قيمة الدينار أو محاولة ترشيد الامتيازات والرواتب في مراكز القرار. الواقع أن كلا الخيارين ينتمي إلى اقتصاد الندرة لا اقتصاد الوفرة، إلى ثقافة توزيع الثروة لا ثقافة إنتاجها. فبينما العالم من حولنا يبتكر ويخلق ثروات جديدة، نحن منشغلون بكيفية تقاسم ثروة واحدة قابلة للنضوب – النفط – بين حلول مؤقتة ومؤلمة.
حين تواجه الحكومة العراقية ضغوطًا مالية، تُطرح الخيارات وكأنها حتميات لا بد منها: إما تخفيض الرواتب أو رفع سعر صرف الدولار. ويُقدَّم الأمر للرأي العام بوصفه “قرارًا مؤلمًا لا مفر منه”، مع تغييب متعمد لسؤال أبسط وأخطر: لماذا لا تبدأ المعالجة من أعلى الهرم قبل النزول إلى قاعدته؟
سعر الصرف: سعر كل الأسعار
في اقتصاد ريعي يعتمد على النفط، لا يمكن ترك سعر الصرف لتقلبات السوق أو لأمزجة النخب. فكل انخفاض في قيمة الدينار يعني عمليًا انتقال جزء من الثروة الوطنية إلى الخارج. تصبح السلع المستوردة أكثر تكلفة، وترتفع أسعار الخدمات بما يفوق قدرة المواطن على المواكبة. هذا التضخم لا يبقى حبيس المؤشرات والأرقام، بل يتحول إلى ضغط يومي ملموس على كل بيت، يحدّ من القدرة على الادخار، ويجبر الأسر على تقليص احتياجاتها الأساسية.
يتسرب الأثر إلى الاقتصاد ككل؛ الاستثمار يتراجع، النشاط التجاري يصبح أكثر مخاطرة، والإنتاج المحلي يواجه صعوبات متزايدة في المنافسة بسبب ارتفاع تكاليف المدخلات. كما يفاقم انخفاض قيمة العملة الفوارق الاجتماعية، إذ تتحمل الطبقة الوسطى والفئات محدودة الدخل العبء الأكبر، بينما تبقى الامتيازات والمخصصات السياسية والمالية للنخبة محصّنة من أي تعديل. وهكذا يتحول تغيير سعر الصرف من أداة مالية إلى أداة لإعادة توزيع غير متوازن للثروة، تؤكد أن الاقتصاد يُدار وفق أسهل الطرق لا وفق منطق العدالة.
رفع سعر الصرف في جوهره ضريبة غير مباشرة يدفعها المواطن البسيط، ولا يمكن أن يشكّل حلًا حقيقيًا لمشكلة العجز المالي ما لم يُقترن بمعالجة الأسباب الهيكلية التي أوصلتنا إلى هذا المأزق، وفي مقدمتها الفساد، والهدر، واقتصاد الريع، وغياب الرؤية الاستراتيجية لتنويع مصادر الدخل. أي محاولة للسيطرة على العجز عبر التضحية بالقوة الشرائية للمواطن ستبقى قاصرة وغير فعّالة دون إصلاحات عميقة وشاملة.
امتيازات النخبة: العقدة المؤجلة في أي إصلاح
أما مراجعة الامتيازات والرواتب في مراكز القرار، فهي خطوة سياسية نادرة، لأنها تتطلب مساءلة هرم وظيفي مقلوب، يكبر فيه الراتب كلما ارتفع المنصب، بمعزل عن الإنتاجية أو القيمة المضافة. وتشمل هذه الامتيازات الرواتب المزدوجة، المخصصات الخاصة، الحمايات السياسية، المكاتب الاقتصادية داخل الوزارات، والعقارات العامة التي تدر إيرادات كبيرة خارج الخزينة.
استمرار هذا النمط من الامتيازات يحافظ على اقتصاد استهلاكي قائم على الهدر، فيما يُطلب من المواطن أن يتحمل تبعات التضخم وتراجع القوة الشرائية. لذلك، فإن أي حديث عن تخفيض الرواتب أو رفع سعر الصرف دون الاقتراب من قمة الهرم يظل بلا جدوى اقتصادية أو عدالة اجتماعية.
تكشف الأرقام عن وجود موارد ضخمة لا تخضع لإدارة شفافة: منافذ جباية، عقارات، إيرادات بلدية، وأموال عامة تتحرك خارج النظام المالي الرسمي، دون أن تنعكس على تحسين الخدمات أو تخفيف الضغط عن الموازنة. هنا يتضح جوهر الأزمة: لسنا أمام شحّ في المال بقدر ما نحن أمام أزمة قرار وعدالة توزيع. فالدول التي تفكر بالمستقبل تبدأ بإصلاح بنيتها من الأعلى قبل أن تمس دخول مواطنيها.
تراجع الامتيازات لا يعني إضعاف الدولة، بل إعادة هيكلة الإنفاق، ضبط الإيرادات، وحماية الطبقة الوسطى بوصفها عماد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. أما الاقتصادات التي تختار الحل الأسهل، فتؤجل الانفجار ولا تمنعه.
إن الاستمرار في معالجة العجز عبر جيب المواطن، مع إبقاء أبواب النفوذ والهدر مفتوحة، لن يؤدي إلى إصلاح، بل إلى إنهاك بطيء للمجتمع وتآكل الثقة بين الدولة والناس. فالدولة التي لا تجرؤ على الاقتراب من امتيازات قمتها، ستظل تطلب التضحيات من قاعدتها.
سؤال الدولة قبل سؤال المال
يبقى السؤال معلقًا، لا بوصفه سؤالًا ماليًا، بل سؤال دولة: هل نريد اقتصادًا يُدار بالعدالة والكفاءة، أم نظامًا يُدار بمنطق تأجيل الأزمة وتحميلها دائمًا للأضعف؟ وإلى متى سنستمر في اختيار الأسهل، ونترك الأصعب – لأنه الأصدق – خارج النقاش؟
التجارب الدولية تؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من القمة. فحين تتنازل النخبة طوعًا عن جزء من امتيازاتها، تُستعاد الثقة، ويُفتح الطريق لإصلاحات أعمق وأكثر استدامة. أما فرض التقشف على المواطن مع الحفاظ على امتيازات الطبقة السياسية، فهو وصفة مؤكدة لفشل أي مشروع إصلاحي.
الدفاع عن الامتيازات بحجة “كرامة المنصب” يتجاهل حقيقة أن كرامة المنصب تُستمد من خدمة الناس لا من العزلة عنهم. فالقائد الذي يعيش ضمن إمكانيات بلده يكون أقدر على فهم تحدياته واتخاذ قرارات عادلة ومسؤولة.
المفاضلة واضحة: رفع سعر الصرف يحمي الامتيازات مؤقتًا لكنه يرهق المواطن ويطلق سلسلة من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية، بينما مراجعة الامتيازات صعبة سياسيًا لكنها الخيار العادل الذي يحرر الموارد، يقلل الهدر، ويضع الاقتصاد على مسار نمو مستدام.
الاقتصاد الوطني لا يُبنى على الهروب من الحقيقة ولا على حلول مؤقتة. أي دولة تختار حماية امتيازات القلة على حساب المواطنين تحكم على نفسها بالبقاء في مؤخرة الركب، وتترك أسئلة التنمية والعدالة الاجتماعية معلقة إلى أجل غير معلوم.
وأخيرا ، لم يعد السؤال المطروح هو: أيّ الخيارين أصلح اقتصاديًا؟ بل: من يدفع الثمن، ومن يُحمى؟ فكل قرار بتخفيض قيمة العملة هو قرار واعٍ بنقل العبء من مراكز السلطة إلى موائد الفقراء، وكل تأجيل لمراجعة الامتيازات هو إقرار ضمني بأن الدولة لا تزال تُدار بمنطق الحصانة لا المسؤولية.
إن الدولة التي تخشى الاقتراب من امتيازات قادتها، وتفضّل المساس بقوت مواطنيها، لا تعاني أزمة موارد، بل أزمة أخلاق سياسية. فالاقتصاد ليس أرقامًا في جداول، بل انعكاس مباشر لطبيعة العقد الاجتماعي. وحين يُختزل هذا العقد في معادلة مختلّة: “تحمّلوا أنتم… ونحتفظ نحن بمكتسباتنا”، فإن النتيجة الحتمية ليست الإصلاح، بل فقدان الشرعية.
الحديث عن التقشف يفقد أي معنى حين لا يبدأ من القمة. بل يتحول إلى خطاب تضليلي يُستخدم لتبرير الفشل، وإعادة إنتاجه تحت مسميات فنية. فكيف يُطلب من المواطن أن يصبر، بينما تُصان الامتيازات وكأنها خطوط حمراء مقدسة؟ وأي إصلاح هذا الذي يُحمّل الفئات الأضعف كلفة قرارات لم تشارك في صناعتها؟
إن تخفيض الامتيازات ليس تنازلاً، بل اختبارًا حقيقيًا لجدية الدولة. ومن يرفض هذا الاختبار، لا يرفضه خوفًا على الاقتصاد، بل خوفًا على منظومة مصالح اعتادت أن تعيش خارج منطق المساءلة. لذلك، فإن الإصرار على حلول تمسّ العملة ولا تمسّ الامتيازات، هو اختيار سياسي قبل أن يكون اقتصاديًا، واختيار ينحاز بوضوح ضد العدالة.
التاريخ لا يرحم الدول التي تساوم على كرامة شعوبها. وكل تجربة تُثبت أن الأزمات لا تُحل بإفقار الناس، بل بكسر الامتيازات. وأن الدولة التي لا تجرؤ على إصلاح نفسها من الداخل، ستُجبر يومًا ما على الإصلاح من الخارج، ولكن بثمن أعلى، وبشروط أقسى.
في هذه اللحظة، لم يعد الإصلاح مسألة تقنية، بل مسألة شجاعة. فإما دولة تواجه امتيازاتها، أو دولة تُراكم الانهيار وتطلب من مواطنيها الصمت. وما بين الخيارين، تُكتب النهاية: إصلاح يبدأ من القمة… أو أزمة تُدار إلى أن تنفجر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تداعيات الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية وأثرها عل


.. تعمير -لقاء مع د/خالد أبو زهرة وحوار بخصوص تعديلات قانون الض




.. إغلاق مضيق هرمز يرفع أسعار النفط ويزيد المخاوف من اضطراب الإ


.. تعمير - تعرف على الاعفائات داخل تعديلات قانون الضريبة العقار




.. تعمير - د/خالد أبو زهرة: الدولة تستهدف حصيلة أقل من الضريبة