الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الإعلام المؤدلج وتدجين الوعي
حسين خليل عمر
كاتب وباحث سياسي كردي
(Hussein Omar)
2026 / 1 / 28
السياسة والعلاقات الدولية
كيف حوّل حزب العدالة والتنمية الدين والإعلام إلى أدوات هيمنة داخل تركيا وخارجها
ما يجري اليوم في تركيا، وما يُسوَّق منه إلى العالم الإسلامي، لا يمكن توصيفه بوصفه “نجاحًا سياسيًا” أو “نهضة إسلامية” كما تروّج له حكومة رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، بل هو أحد أكثر نماذج التلاعب المنهجي بوعي الشعوب وقيمها. نحن أمام مشروع متكامل لتدجين العقول، يقوم على إعلام مؤدلج، ودين مُسيَّس، وشبكات دعائية عابرة للحدود تخدم سلطة سياسية بعينها لا مشروعًا تحرريًا.
السلطة في أنقرة لا تحكم فقط عبر مؤسسات الدولة، بل عبر منظومة دعائية متكاملة تضم وسائل مثل TRT، ووكالة الأناضول، وشبكة واسعة من القنوات الخاصة الموالية للحكومة، إضافة إلى جيوش إلكترونية منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي. ويوازي ذلك إخضاع رئاسة الشؤون الدينية (ديانت) بالكامل لخطاب حزب العدالة والتنمية، وتحويل المنابر الدينية إلى أدوات تعبئة سياسية. هذا الإعلام لا ينقل الواقع، بل يعيد إنتاجه بما يخدم السلطة، ويصنع “أعداءً دائمين”، من الداخل والخارج، لإبقاء المجتمع في حالة استنفار نفسي مستمر.
لكن الأخطر من هذه المنظومة الإعلامية هو الواجهات البشرية التي جرى تصنيعها بعناية:
دعاة مرتبطون بالسلطة، إعلاميون نجوم على الشاشات التركية والعربية، وكتّاب ومحللون يتحدثون باسم الإسلام والأمة، بينما يقومون فعليًا بتبرير سياسات دولة قومية توسعية، تُدار وفق مصالح حزب حاكم، لا وفق أي رؤية أخلاقية أو إسلامية جامعة.
هؤلاء يروّجون يوميًا لأكذوبة مفادها أن أردوغان هو “حامي الإسلام والمسلمين”، وأن أي معارضة له—سواء كانت من صحفيين أتراك، أو معارضين أكراد، أو علمانيين، أو حتى إسلاميين سابقين—هي بالضرورة عمالة للغرب، أو عداء للدين، أو دعم للانقلابات. وبهذا، جرى تحويل السياسة إلى اختبار إيمان، وتحويل النقد إلى خيانة، وتحويل الوقائع إلى تفاصيل هامشية لا يجوز الاقتراب منها.
تحت هذا الغطاء، شُنّت تدخلات عسكرية في سوريا والعراق وليبيا، ودُعمت فصائل مسلحة محسوبة على أنقرة، بينما قُمعت في الداخل التركي أصوات صحفيين وأكاديميين، وزُجّ بالآلاف في السجون، وجرى تفكيك ما تبقى من استقلال القضاء والإعلام. كل ذلك بُرّر بخطاب الأمن القومي ومواجهة الإرهاب ونصرة الأمة، فيما كانت الدولة تُدار عمليًا بمنطق السلطة المطلقة لا بمنطق القانون أو القيم.
الخطاب الرسمي الذي تضخه حكومة العدالة والتنمية إلى الخارج يتناقض بشكل صارخ مع الواقع داخل تركيا: تضخم خانق، انهيار متواصل في قيمة الليرة، تراجع غير مسبوق في الحريات العامة، وسيطرة شبه كاملة على الإعلام والقضاء. ومع ذلك، لا يزال جمهور واسع—داخل تركيا وفي العالم العربي—يدافع عن هذه السياسات لا لأنها ناجحة، بل لأنها جرى تغليفها بخطاب ديني يمنحها حصانة أخلاقية زائفة.
وهنا تكمن أخطر نتائج هذا النموذج:
لم تكتفِ سلطة أردوغان بالسيطرة على الإعلام، بل نجحت في تحويل جزء من جمهورها إلى جهاز قمع ذاتي، يهاجم كل ناقد، ويخوّن كل معارض، ويبرر كل فشل. لم تعد الدولة بحاجة إلى إسكات الأصوات المعارضة بشكل مباشر؛ فالجماهير المؤدلجة تقوم بالمهمة طوعًا.
هذا النموذج لم يبقَ حبيس الداخل التركي، بل جرى تصديره إلى العالم العربي. في سوريا تحديدًا، برز ذلك بوضوح عبر دعم أنقرة لفصائل مثل الجيش الوطني السوري، وفرض وصاية سياسية وأمنية على مناطق شمال البلاد. هناك، جرى توظيف الخطاب الديني نفسه: تخوين المعارضين، قمع الأصوات المدنية، تهميش القوى الديمقراطية، وتحويل الثورة من مشروع تحرر وطني إلى صراع تديره فصائل مسلحة مرتبطة بإرادة خارجية.
خُطِف الخطاب الثوري السوري، وفُرضت وصاية دينية وأخلاقية على المجتمع باسم “الثوابت”، بينما كانت النتيجة الواقعية تفكيك المجتمع، تعميق الانقسامات، وإطالة أمد المأساة. وما حدث في سوريا ليس استثناءً، بل نسخة أخرى من النموذج ذاته الذي رأته قوى الإسلام السياسي في العالم العربي نموذجًا قابلاً للاستنساخ: زعيم قوي، إعلام مطيع، جماهير مؤدلجة، ودولة تُدار باسم الهوية لا باسم المواطنة.
إن أخطر ما في هذا النموذج أنه لا يُفرض بالقوة وحدها، بل عبر الإقناع الزائف، وتحويل الضحية إلى مدافع عن جلاده، والمقهور إلى شريك في قهر نفسه. لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع أردوغان أو حزب العدالة والتنمية، بل مع البنية الفكرية والإعلامية التي تشرعن الاستبداد وتعيد إنتاجه باسم الدين.
إن تسمية الأشياء بأسمائها لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية. ما تمارسه حكومة أردوغان هو تلاعب بالدين لا خدمة له، واستغلال للجماهير لا تمكين لها، وهيمنة على الوعي لا قيادة رشيدة. وأي مشروع سياسي يقوم على تعطيل العقل وتحريم النقد، مهما تزيّن بالشعارات والآيات، هو مشروع استبدادي في جوهره.
التحرر لا يبدأ بإسقاط الأنظمة فقط، بل بإسقاط الأكذوبة التي تحميها. وأول خطوة في هذا الطريق هي كسر قداسة الزعيم، وفضح إعلامه، واستعادة الحق في السؤال.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لقاء الزيدي وترامب.. فصل جديد في العلاقات بين واشنطن وبغداد؟
.. نتنياهو يتوعد قادة إيران.. وترامب يهدد بنسف حصن نظنز النووي
.. وزير الخارجية الإسباني السابق ميغيل أنخيل يشيد بإرث الأمير ا
.. ترمب يعزي أمير دولة قطر في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خ
.. الرئيس الأوكراني يشارك الرئيس ماكرون الاحتفال بالعيد الوطني