الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الكتابة
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
2026 / 1 / 29
الادب والفن
ثقوب المرايا
الثقب التاسع
ما الكتابة
نورٌ ساطع يشع من داخل الأشياء، لم يأتِ من السماء ولا من السقف، بل من انقسام ناعم في صدرِ مساءٍ كئيب. فتح نون عينيه على فراغٍ رمادي الملمس وغريب الرائحة؛ فراغ مسطح يشبه صفحةٍ كراسة تسلل الحبر من مساماتها. كان يتحسس صلابة السرير، السرير الذي فقد ملامحه في معركة النوم، لكنه يبدو أكثر قلقا من الأحلام المتكررة، الملاءات البيضاء تشبه أشرعة بلا قوارب، والطاولة الصغيرة تناضل من أجل أن تظل مستوية، عليها تلك الكراسةٌ الوحيدة، وبقايا تفاحة بدأت تتخمر. الكراسة لم تكن جديدة، لكنها محملة بالبياض الذي كان يعزز طاقة الفراغ ويلوح بشغف للعلامات الغائبة.
أودراديك، كما كان دوماً - تلك الكتلة الخيطية التي لم تستقر على شكل واحد محدد - كان ينتظر بجانب الباب المقفل. حضورُه ليس مهيمناً، وإنما شريكُ هامشي للحضور، يدون صمتٍ الفراغ بين الكلمات والأصوات. كان يراقب نون الذي كان جالسا على السرير واضعا رأسه بين يديه، يبدو مهموما كأنه يحمل خطيئة الله في تكوين البشر، وخطيئة البشر في خلق الله. فرك نون عينيه، وحاول أن يعرف أين هو الآن، هل هو في العالم الذي عاشه في حلمه المتواصل، أم ذلك الذي سُجن فيه بين صفحات تنتظر رموزوعلامات المطر. سؤال بسيط، لكنه افتتنه في عمقٍ لم يعهده من قبل، هل هناك إمكانية أن يُقابل الإنسان نفسه وجها لوجه؟ هل يستطيع أن يعاين دقة النسخة؟ لم يجد جوابًا؛ فالأصوات الأولى التي جاءت كانت أصوات من داخل الكراسة: خشخشةٌ خفيفة، همسٌ ورقة مترددة بين الجانب الأيمن أو الأيسر من الكراسة، حشرجة كلمةٌ تتبلور كأنها احتباس الحبر قبل نزوله. أزاح الشراشف ووقف نون في آخر الأمر على قدميه حافيا متحسسا ملمس الأرض البارد. اقترب من النافذة المفتوحة، الضوء القادم منها يدلُّ على عالمٍ زاخر بالصخب والضياء، عالم الشارع الغاص بالحركة والأصوات والروائح والأضواء .. ومئات وآلاف الأشياء .. يا لها من كائنات هذه الأشياء. ضوضاء تتذكر صدى الحياة اليومية الرتيبة، وخطوات البشر، رجال ونساء وأطفال وعربات يتحركون بميكانيكية بلا مصدر، وبلا طاقة. رغم الضجيج، النافذة مكنت نون من التنفس ومن ثم العودة إلى الأجواء المألوفة لحجرته وسريره وطاولته الصغيرة. لم تكن عودة تامّة، كانت مجرد محطة مؤقتة بين الحلم وملمس الأشياء التي تحيط به في حجرته الصغيرة في الطابق الثاني، فاصلًا رقيقًا تلوح خلفه إمكانية الهروب أو الاستمرار، إمكانية التلاشي والتبخر أو التجذر وربما النمو.
أودراديك لم ينطق، لم يصدر صوتا، لكنه جعل خيوطه تمتد إلى أقدام السرير ثم تتسلق إلى الطاولة الصغيرة وتلتف حول الكراسة ثم تفتحها على الصفحة البيضاء. خيوط ربط رقيقة تمنع السقوط. لا تُقوّي ولا تُخيف، بل تُذكّر فقط أن الورقة لا تسمح بخداعها. سأل نون، بعفوية وهو يعود ويمسك الكراسة:
- هل لي أن أملأها؟
وأشار إلى الصفحة المفتوحة :
- هل يكفي أن أكتب جملةً واحدة؟
ابتسم اودرادِك، وأجاب:
- الكتابة هنا لا تتعلق بالكم، ليست عدًّا للحروف، بل توقيعٌ على وجود.
لم يكن ذلك تهديدًا؛ فقط وصفًا لآلية فائقة البساطة والفظاعة.
- الصفحة تكتبك.
كما قال أودراديك في حشرته السابقة:
- وليس أنت من يُكتبها، غير أن هذا يدخل في مجال الشعر وربما العبث، فلا تأخذ هذا الأمر مأخذ الجد. النص الذي تكتبه الآن، يجب ألا يكون سيرةً فقط، بل فعلًا يستدعي ما غاب ليلتقي بما سيأتي.
جلس نون ووضع الكراسة أمامه وأمسك القلم بيده. كان باردًا كقطعة من الحديد. ورغم ذلك بدأ النبض الخفيف خلف أضلاعه يشرح شيئًا غامضا، الكتابة هنا عريضة، لا تُستحضر من الذاكرة فقط، بل من بقايا الخيارات التي لم تتّخذ. فبدلاً من أن يُعيد ترتيب ماضيه، عليه أن يُرتّب حتفه الداخلي. أن يملأ الفراغ بتسميةٍ تقرّ بوجوده، في الحقيقة عليه أن يمتص العدم ويحوله بطريقة سحرية إلى كينونة مادية كالحجر. لم يكتب شيئا بعد. كان خائفا. ظلَّ يحدّق في الحبر الباهت على رأس القلم كما يُحدّق في وجهٍ آخر. ثم خط عدة علامات، عدة كلمات، جملةٌ قصيرة، لم تكن سوى اعترافٍ بسيط مرتجف: «ربما لم أعرف نفسي جيدًا». كتب الجملة ورددها في نفس الوقت بصوتٍ منخفض، وكأن الجملة تحتاج شهادةً لا يملكها إلا الورق. عندما انتهى من الكلمة الأخيرة، رنّ شيء في الغرفة: ليس رنين ساعة بل رنينِ قرار. ضوءٌ خاطف، ثم سكوتٌ طويل. ربما كان ذلك كافياً للعودة أو كافياً لرؤية أن الطريق أكثر طولًا مما توقع. أودرادِك فتح الباب، وبدا الخارج يلوح بدعوة يومية: السير بين الناس، أن يشعر بأنه حي بطريقة ما، اختبارات الصمت والحضور والإرتطام بالآخرين، ومواقفٍ صغيرة تختبر القدرة على التواصل الروتيني الفارغ من المعنى المباشر، والقدرة على الصمود في وجه اللاشيء. ظل نون واقفًا هكذا لفترة طويلة عند عتبة دهره الجديد: كراستة في جيب معطفه، أودراديك كخيطٍ يتلوّن في ظلّه، وصفحة واحدة تقرأه كما يقرأها. لم يعد السؤال، في حالة العودة، لماذا وكيف ومتى وأين ولمن يكتب، وإنما السؤال ما هو هذا الشيء المسمى بالكتابة؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا
.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا