الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الصفحة التي تتنفس
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 1 / 30
الادب والفن
في حياتنا، بعض الصفحات لا نغلقها أبدًا.
ليس لأنها تؤلم، ولا لأنها تعلقنا، بل لأنها تحمل أثرًا حيًّا في وعينا، في طريقة شعورنا بالعالم، وفي الطريقة التي نفكر بها عن أنفسنا وعن الآخرين.
الصفحة المفتوحة مساحة هادئة، لا تطالب، ولا تتوقع، ولا تُعلن عن نفسها. هي تقول بصوت خافت: ما عشناه كان حقيقيًا، وما لم يكتمل لم يذهب عبثًا. هذه المساحة تمنحنا فرصة للنظر إلى الذكريات دون شعور بالذنب، وللاعتراف بالمشاعر كما هي، بلا ضغوط خارجية، بلا محاكمة، وبلا استعجال للردود الجاهزة.
ليس كل شيء بحاجة إلى اسم، أو إعلان، أو نهاية محددة. بعض الصفحات المفتوحة تعكس الحياة كما هي: معقدة، متغيرة، لا يمكن حصرها أو اختزالها في قرار واحد. وهي تمنحنا مساحة للأمل، بصوت هادئ، لا يصرخ، ولا يفرض، بل يترك أثره في أعمق ما بداخلنا.
تُظهر التجارب اليومية أن بعض الاختيارات لا يمكن حسمها سريعًا. بعض المشاعر تحتاج أن تُترك تنمو، وأن تُفهَم ببطء، وأن تُعاد مراجعتها مرات عديدة قبل أن نجد الطريقة المناسبة للتعامل معها. السماح للمساحة المفتوحة، هنا، هو علامة نضج، وليس ضعفًا؛ هي قدرة الإنسان على التعايش مع ما هو غير محسوم، والاعتراف بأن بعض الأشياء لا تحتاج إلى إجابة فورية.
الذاكرة ليست عبئًا، ولا استرجاع الماضي هو فشل. إنها دليل على أننا عشنا بصدق، وأن بعض التجارب تركت بصمة لا تُمحى بسهولة. بعض العلاقات أو التجارب لا تنتهي تمامًا، بل تتحوّل إلى شيء آخر، أكثر هدوءًا، أكثر حكمة، وأكثر قدرة على منحنا إشارات صامتة للأمل، وللقدرة على المضي قدمًا، مع احترام ما كان وما زال حيًّا بيننا.
الصفحة المفتوحة هي علامة احترام للنفس، وللوعي، وللخسائر الصغيرة التي لا يُراد الحديث عنها. إنها تقول لنا أن الصمت والتأمل ليسا ضعفًا، وأن التردّد أحيانًا هو احترام لتعقيد الحياة، وليس هروبًا من المسؤولية. إنها تمنحنا فرصة للنظر إلى الماضي بلا شعور بالضغط على المستقبل، ونشعر أن ما ترك أثرًا فينا ما زال حاضرًا، وأننا لسنا مضطرين لإغلاق كل شيء كي نبدو أقوياء أمام العالم.
تعلّمنا، أو قيل لنا، أن القوة تكمن في القدرة على الحسم، في وضوح النهاية، في إعلان القرار. لكن بعض التجارب، وبعض الصفحات المفتوحة، تعلمنا أن القوة الحقيقية تأتي من القدرة على ترك شيء حيّ، أن نمنحه مساحة ليكون موجودًا، بدون محاولة السيطرة عليه، أو تفسيره، أو اختزاله. هنا يظهر جمال الصفحات المفتوحة: هي تمنحنا قدرة على الاستمرار، على التعلم، وعلى الاحتفاظ بالأثر الذي لن يضيع، حتى إذا بدا العالم أن كل شيء انتهى.
في الجزء الأول من تجربة «الصفحة التي تركناها مفتوحة – ما زال بيننا شيء»، يجد القارئ هذا الوعي حيًّا في كل سطر، دون أن يكون هناك سرد مباشر لأحداث محددة أو علاقات معينة. النص يترك مساحة للقارئ كي يشعر بما هو مهم له، ويتيح له أن يتعرف على ذاته من خلال التأمل الصامت. هناك شعور بأن بعض الصفحات ليست لتُغلق، بل لتظل حية، تتحرك معنا، وتمنحنا القدرة على الاحتفاظ بالذاكرة، وبالأثر، وبالأمل.
الصفحة المفتوحة لا تقول: انتهى، ولا تقول: سيعود. هي تقول ببساطة:
ما كان، ما زال حيًا في مكان ما، وفي وعينا، وفي الطريقة التي نتعامل بها مع حياتنا اليوم.
وهذه المساحة هي نفسها التي تمنحنا شعورًا بالطمأنينة، ليس لأنها تعد بشيء محدد، بل لأنها موجودة، وبصمت، في أعمق تفاصيلنا اليومية.
خاتمة تربط المقال بالكتاب قيد النشر:
وهكذا، بعض المساحات المفتوحة في حياتنا ليست مجرد فراغ، بل محاولة صامتة للوعي، وللاعتراف بما هو حيّ بيننا، كما يلمس القارئ في الجزء الأول من كتاب «الصفحة التي تركناها مفتوحة – ما زال بيننا شيء»، الذي لا يزال قيد النشر ويعد القارئ لتجربة أعمق من القراءة والتأمل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا
.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل