الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


دور الأحزاب السياسية في تعزيز الانقسام المجتمعي (تفكيك صناعة العداء للاحتجاج والرقابة الشعبية)

محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي

(Mohammed Sajit Katia)

2026 / 1 / 31
مواضيع وابحاث سياسية


لم يكن أخطر ما أفرزته التجربة السياسية في العراق بعد عام 2003 هو الفساد المالي، أو الترهل الإداري، أو انهيار الخدمات فحسب، بل ذلك الشرخ العميق الذي أُدخل على بنية المجتمع نفسه، حين تحوّل الانقسام من نتيجة عرضية للصراع السياسي إلى أداة حكم واعية، تُدار وتُغذّى وتُستثمر بصورة منهجية من قبل الأحزاب الحاكمة.
فقد نجحت هذه الأحزاب، عبر منظومتها الإعلامية والدعائية، في إعادة تشكيل الوعي الجمعي على نحو يجعل المجتمع منقسمًا على ذاته، لا حول البرامج والسياسات، بل حول الهويات والخوف والولاءات الضيقة. وأخطر تجليات هذا الانقسام يتمثل في الفصل المصطنع بين فئتين اجتماعيتين: فئة ترى في الاحتجاج والتظاهر وسيلة مشروعة للضغط السياسي والإصلاح، وفئة أخرى جرى إقناعها بأن بقاء الأحزاب الفاسدة هو ضمانة لبقاء المذهب والطائفة، وأن زوال هذه القوى يعني سقوط “الاستحقاق السياسي للمكوّن”.
في أي مجتمع متنوع، يُفترض أن يكون الاختلاف في الرؤى والمصالح والتوجهات أمرًا طبيعيًا وصحيًا، بل شرطًا من شروط الحيوية السياسية. غير أن ما جرى في العراق هو شيء مختلف تمامًا: تحويل التعدد إلى شقاق، والخلاف إلى تهديد وجودي، والسياسة إلى صراع هويات.
لم يعد الخلاف يدور حول برامج اقتصادية، أو سياسات عامة، أو نماذج حكم، بل حول: من يمثل الطائفة؟ ومن يحمي المذهب؟ ومن يهدد “الوجود الاجتماعي” للمكوّن؟ وهكذا أُفرغ المجال السياسي من مضمونه المدني، وأُعيد بناؤه على أساس نفسي–هويّاتي، يسهل التحكم به وتوجيهه.
في العلوم السياسية تُعدّ الرقابة الشعبية – عبر التظاهر والاحتجاج والضغط الجماهيري – إحدى أهم أدوات ضبط السلطة وإجبارها على الإصلاح وتقليل الفساد. فالنخب الحاكمة، في أي مكان من العالم، لا تتنازل عن امتيازاتها طواعية، ولا تُغيّر سياساتها بدافع أخلاقي مفاجئ أو “صحوة ضمير”، بل حين تواجه ضغطًا اجتماعيًا منظمًا يهدد شرعيتها واستقرارها.
لكن الأحزاب العراقية أدركت هذه الحقيقة مبكرًا، فعملت على تجفيف منابع هذا الضغط، لا بالقمع الأمني فقط، بل – وهو الأخطر – بإعادة تعريف الاحتجاج في الوعي العام بوصفه فعلًا مشبوهًا وعدائيًا.
جرى تسويق معادلة خبيثة مفادها أن الاحتجاج ليس سوى: تخريب، أو عمالة، أو مؤامرة خارجية، أو عداء للدين والمذهب، أو تهديد لحقوق المكوّن. وبذلك لم يعد المتظاهر مواطنًا يطالب بحقه، بل صار في المخيال الشعبي “أداة بيد السفارات”، أو “مشروع فوضى”، أو “عدوًا لهوية الجماعة”.
اعتمدت الأحزاب على منظومة متكاملة من الأدوات الخطابية والإعلامية، يمكن تلخيصها في أربعة مسارات رئيسية:
أولًا: خطاب التخوين، عبر ربط كل فعل احتجاجي بمشاريع خارجية، وتكرار مفردات من قبيل: العمالة، التآمر، الاختراق، والسفارات.
ثانيًا: التديّن المُسيّس، من خلال تصوير الاحتجاج كخروج على “أولياء الأمر”، أو تهديد للمذهب، أو خدمة لأعداء الدين.
ثالثًا: التخويف الوجودي، عبر إحياء ذاكرة الصراعات والاضطهادات الماضية، والتلويح الدائم بشبح “العودة إلى زمن المظلومية”، لإقناع الجمهور بأن أي تغيير سياسي يعني كارثة جماعية.
رابعًا: الإعلام الحزبي، المتمثل في قنوات ومنصات لا تنقل مطالب المتظاهرين، بل تعيد تركيب الحدث بصورة انتقائية، تضخّم الأخطاء الفردية، وتُخفي الجوهر السياسي للمطالب.
وهكذا تشكّل وعيٌ زائف يرى في السلطة – مهما فسدت – درعًا طائفيًا، لا جهازًا إداريًا يفترض محاسبته ومراقبته.
بهذه الهندسة النفسية والإعلامية، حققت الأحزاب ما هو أخطر من كسب الانتخابات: شلّ المجتمع سياسيًا.
فبدل أن يكون الشارع قوة ضاغطة على القرار السياسي، تحوّل إلى ساحة خوف وريبة. وبدل أن تكون المظاهرات فعلًا وطنيًا جامعًا، أُعيد تعريفها بوصفها تهديدًا اجتماعيًا.
والنتيجة كانت واضحة: انكفاء الاحتجاجات إلى مطالب خدمية جزئية، تفكك الخطاب الإصلاحي السياسي، غياب الضغط المنظم لتغيير بنية النظام، وبقاء الفساد محميًا بغطاء “الشرعية الطائفية”.
وبعد انتفاضة تشرين، تقلّص الفعل الاحتجاجي إلى تظاهرات مناطقية أو فئوية – تتعلق بالخدمات، أو التعيينات، أو العقود – بينما غابت المطالب الكبرى المرتبطة بإصلاح النظام السياسي نفسه، وتفكيك منظومة المحاصصة، ومحاسبة النخب المتحكمة بالدولة.
ولم تكتفِ الأحزاب بهذا كله، بل عملت في الدورة النيابية الحالية على زجّ شخصيات لا تمتلك أي مشروع تشريعي أو رقابي حقيقي، بل تؤدي وظيفة واحدة تقريبًا: إدامة الانقسام المجتمعي وتعزيزه.
نواب لا يظهرون في ملفات الفساد، ولا في مشاريع القوانين، ولا في مراقبة أداء الحكومة، لكنهم ينشطون في تأجيج الصراع الهويّاتي، واستفزاز الجمهور الاحتجاجي، وتخوين الخطاب الوطني، وتصوير أي استقلال سياسي بوصفه “خضوعًا لمشاريع خارجية”. وهكذا يصبح البرلمان نفسه امتدادًا للآلة الدعائية، لا مؤسسة رقابية تمثل الإرادة العامة.
ختامًا، ولكي نفهم دوافع أحزاب السلطة في تبنّي هذه الاستراتيجية، لا بد من طرح السؤال الآتي: ما الذي تجنيه هذه الأحزاب من وراء تعزيز الانقسام المجتمعي؟
والجواب بسيط في ظاهره، عميق في نتائجه: لأن المجتمع الموحّد يطالب، والمجتمع المنقسم يتخاصم. لأن المجتمع الواعي يراقب، والمجتمع الخائف يطيع. ولأن السلطة الفاسدة لا تعيش في بيئة نقد، بل في بيئة ذعر وهويات متصارعة.
لقد نجحت الأحزاب الحاكمة، عبر بروبوغاندا كثيفة ومستمرة، في تحويل أخطر أدوات الإصلاح – أي الرقابة الشعبية – إلى فزاعة اجتماعية، وفي استبدال الصراع السياسي الطبيعي بصراع وجودي زائف، يحرس فسادها ويطيل عمرها.
وما لم يُستعد المعنى الحقيقي للاحتجاج بوصفه حقًا مدنيًا وضرورة سياسية، وما لم يُفكك هذا الوعي المصنّع الذي يخلط بين السلطة والطائفة، ستبقى الدولة رهينة نخبة لا تخشى المحاسبة، لأن المجتمع نفسه جرى تدريبه على الخوف منها، لا على محاسبتها.


» محمد ساجت السليطي (كاتب وباحث عراقي)...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المؤتمر الصحفي المشترك لرئيسي وزراء المغرب وفرنسا في الرباط


.. قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع فيدوروف يشعل موجة غضب في ال




.. ألمانيا.. ما الذي يدفع الشباب إلى الالتحاق بالجيش؟


.. واشنطن تستهدف قدرات الرصد الإيرانية وسط مؤشرات وساطة للتهدئة




.. وزارة النفط العراقية تحقق في سقوط جسم غريب بمياهها الإقليمية