الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صفحة مفتوحة: حين يصبح البقاء انتصارًا
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 1 / 31
الادب والفن
في مدينة اعتادت أن تختبر الناس أكثر مما تحتمل قلوبهم، نشأ شاب تعلّم باكرًا أن القسوة ليست حدثًا عابرًا، بل نظام حياة. لم يكن الظلم طارئًا عليه، كان جزءًا من تفاصيله اليومية: في البيت حيث تُوزَّع الأدوار بغير عدل، وفي الشارع حيث يُكافأ الأقسى لا الأصدق، وفي سوق العمل حيث يُستنزف الجهد ويُهان الحلم، وتُترك الكرامة على الهامش.
كبر وهو يفهم أن العالم لا يصفّق للمنهكين، بل يستسهل كسرهم. كان هدفًا سهلًا: صامت، مسؤول أكثر مما يجب، يتحمّل أكثر مما يُطلب، حتى صار الألم عنده لغة داخلية، لا يشكوها ولا يتباهى بها. ومع كل خسارة، كان يفقد شيئًا ما: ثقة، أمانًا، شخصًا، أو فكرة كان يظنها ثابتة.
وفي مكانٍ موازٍ، كانت هناك فتاة تخوض معركة مختلفة في الشكل، متشابهة في الجوهر. لم تكن أيامها أرحم، ولا خياراتها أوسع. وُضعت تحت ضغط التوقعات، تحت سقف القوالب الجاهزة، وتحت ثقل أيام لا تمنح ابتسامة إلا وتستردّ مقابلها شيئًا أثمن. تعلّمت أن تخفي تعبها بابتسامة محسوبة، وأن تحمي قلبها بالصمت، وأن تؤجل أحلامها لأن الواقع لا يسمح لها بالترف.
حين التقيا، لم يكن اللقاء ضجيجًا، بل اعترافًا صامتًا. كأن كلًّا منهما رأى في الآخر مرآة لا تفضح الضعف، بل تفهمه. لم يتبادلا الوعود، تبادلا الطمأنينة. لم يتحدثا عن النجاة، بل شعرا بها. صار الوقت أخفّ، والأيام أقل قسوة، ليس لأن الواقع تغيّر، بل لأن الحلم وجد من يشاركه العبء.
لكن الحياة لم تمنحهما استثناءً. الاقتصاد كان يضيق، والفرص تتآكل، والسياسات تضغط على الشباب كأنها تختبر قدرتهم على الاحتمال حتى الانكسار. الفشل لم يكن خيارًا، كان نتيجة محتملة في كل محاولة. ومع ذلك، لم يكن اليأس سيّد الموقف. كان هناك عناد هادئ، صمود بلا ضجيج، وإصرار على أن الحب ليس ترفًا، بل وسيلة بقاء.
احتفالاتهما كانت صغيرة حدّ التلاشي: ضحكة في منتصف تعب، رسالة تطمئن بعد يوم ثقيل، حلم يُقال بصوت منخفض خوفًا من أن يسمعه الواقع فيفسده. وفي كل مرة يسقطان، كان النهوض أبطأ، لكنه أصدق. لم ينتصرا على العالم، لكنهما لم يسمحا له أن ينتصر عليهما بالكامل.
القسوة لم تختفِ، والظلم لم يُرفع، والفقد كان حاضرًا كظل طويل. لكنهما أدركا أن البقاء بحد ذاته فعل مقاومة، وأن الاستمرار ليس ضعفًا، بل شكل آخر من أشكال الانتصار. أن تحب في زمن خانق ليس هروبًا، بل شجاعة. وأن تحلم وسط هذا الركام ليس سذاجة، بل وعي بأن الحياة لا تُقاس بما أُخذ منها، بل بما بقي قادرًا على النبض.
وهكذا، تبقى الحكاية بلا خاتمة نهائية.
الطريق ما زال قاسيًا، والظروف لم تنكشف بعد، لكن الصفحة لم تُغلق. لا لأنها فارغة، بل لأنها لم تقل كلمتها الأخيرة. لأن بعض القصص تُترك مفتوحة، لا عجزًا عن إنهائها، بل احترامًا لما لم يحدث بعد.
هذا المقال مستوحى ضمنيًا من أفكار وروح كتابي القادم
«الصفحة التي تركناها مفتوحة – ما زال بيننا شيء»،
ويعكس تجربة إنسانية يومية، لكنه قائم بذاته كعمل سردي مستقل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا
.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا