الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عبد الهادي بلخياط… القمر الأحمر الذي أضاء ذاكرة الطرب
محمد عبيدو
2026 / 1 / 31الادب والفن
برحيل المطرب المغربي الكبير عبد الهادي بلخياط، تطوي الأغنية العربية صفحةً من صفحاتها المضيئة، وتفقد الساحة الفنية صوتًا استثنائيًا شكّل، على امتداد عقود، جسرًا جماليًا بين الكلاسيكي والوجداني، بين المغرب والمشرق، وبين الطرب والروح.
وُلد زوقاري الإدريس عبد الهادي، الملقب ببلخياط، سنة 1940 بمدينة فاس، قبل أن تنتقل أسرته إلى الدار البيضاء وهو في السابعة من عمره. هناك تلقّى تعليمه الابتدائي، غير أن قسوة الظروف العائلية دفعته مبكرًا إلى ترك الدراسة ومساندة والده في ورشة النجارة، متحملًا مسؤولية إعالة الأسرة. سنة 1958 عاد إلى فاس، ثم استقر لاحقًا في الرباط، حيث اشتغل سائقًا بوزارة الشباب والرياضة، دون أن تخبو في داخله جذوة الشغف بالموسيقى.
كانت الانطلاقة الحقيقية حين استمع إليه الأديب والإعلامي حمادي عمود في جلسة عائلية، ليقدّمه عبر برنامج “عالم الفنون” بإذاعة الرباط، مؤديًا أغنية “ست الحبايب” لفايزة أحمد. نجاح تلك الإطلالة فتح أمامه باب الاحتراف في ستينيات القرن الماضي، ففرض صوته الدافئ وأسلوبه المتفرّد، بمساندة أسماء إعلامية وازنة، ونجح سريعًا في الوصول إلى وجدان المتلقي المغربي.
في سن الثانية والعشرين، قدّم بلخياط رائعته الخالدة “القمر الأحمر” (1962)، قصيدة عبد الرفيع الجواهري ولحن عبد السلام عامر. عمل بلغ حدّ الكمال، وتحوّل إلى علامة فارقة في تاريخ الأغنية المغربية، حيث تواشج الشعر واللحن والأداء في لحظة جمالية نادرة، أبرزت عمق صوته، وثراء التوزيع الموسيقي، وأناقة الأسلوب المغربي في التعامل مع الوتريات.
انتمى بلخياط إلى جيل ذهبي ضم أسماءً مثل عبد الوهاب الدوكالي، لطيفة أمل، محمد حياني، والمعطي بلقاسم، في زمنٍ كانت فيه الساحة العربية تعجّ بعمالقة الطرب من أمثال أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ووردة الجزائرية. مدفوعًا بالحلم العربي، شدّ الرحال إلى مصر، حيث أدرك أن الموهبة وحدها لا تكفي، فالتحق بالمعهد العالي للموسيقى العربية بالقاهرة، وتعرّف على كبار الشعراء والملحنين، وغنّى هناك لحن بليغ حمدي “رحلة عمر” على الهواء مباشرة.
ورغم النجاح، ظلّ وفيًا للونه المغربي، رافضًا الغناء باللهجة المصرية، ليعود بعد ثلاث سنوات إلى وطنه، نجمًا محبوبًا في المغرب والمغرب العربي، حيث ترك بصمته في الجزائر وتونس وليبيا، وأحيا حفلات كبرى، من بينها عروض الأولمبيا بباريس سنة 1973.
تعاون بلخياط مع نخبة من الشعراء والملحنين، مثل أحمد الطيب العلج، عبد الرفيع الجواهري، عبد السلام عامر، علي الحداني، وعبد القادر الراشدي، مقدّمًا روائع خالدة من قبيل: “في قلبي جرح قديم”، “عاوني ننساك”، “قطار الحياة”، و“كيف يدير سيدي”. كما غنّى قصائد لنزار قباني وفاروق شوشة، مقتربًا من روح المشرق دون أن يفقد هويته.
إلى جانب الغناء، خاض تجربة سينمائية في أفلام صُوّرت بالقاهرة، منها “سكوت اتجاه ممنوع” و“أين تخبئون الشمس”، إلى جانب فيلم “الدنيا نغم”، جامعًا بين التمثيل والطرب.
بعد مسار فني حافل، اختار بلخياط سنة 2012 مسارًا روحيًا جديدًا بانضمامه إلى جماعة التبليغ والدعوة، مبتعدًا عن الأضواء، قبل أن يعود سنة 2015 إلى الغناء من بوابة الإنشاد الديني والصوفي، في حفل مؤثر ضمن مهرجان موازين، لقي استحسانًا واسعًا.
وصفه المايسترو نبيل أقبيب بأنه صاحب طبقة صوتية رجالية نادرة، عميقة ورخيمة، مكّنته من سبر أغوار المقامات العربية والمغربية، وجعلته مرجعًا لأجيال من الأصوات.
برحيل عبد الهادي بلخياط، يغيب الجسد، لكن “القمر الأحمر” يظل ساهرًا في الذاكرة، شاهدًا على فنان عاش للموسيقى، وأخلص لصوته، وترك أثرًا لا يُمحى في وجدان المغاربة والعرب.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مقابلة مع سفير لبنان لدى فرنسا ربيع الشاعر • MCD
.. حسن جوني: الجنوب اللبناني يمتلك ثقافة المقاومة وسيتم التصدي
.. من سيرة أمهات المؤمنين حكاية السيدة أم كلثوم بنت رسول الله
.. طهران تنفي استهداف مجلس خبراء القيادة وتصف الرواية الاسرائيل
.. البراسيري: جولة في ثقافة الأكل الفرنسي من الداخل | يوروماكس