الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الصمت الذي يقتل الحب .. ولماذا يختفي الرجل أحيانًا

يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)

2026 / 2 / 1
قضايا ثقافية


في كثير من العلاقات، لا يُفقد الرجل لأنه لم يحب، بل لأنه أحب ولم يجد ما يحمي هذا الحب. المفارقة المؤلمة أن المشاعر الصادقة قد تنهار أحيانًا ليس بسبب الخيانة أو القسوة، بل بسبب تصرّفات صغيرة متراكمة تُربك العلاقة وتفرغها من إحساس الأمان.
الرجل، حين يحب، لا يتعامل مع العلاقة كمساحة مؤقتة. وإذا تحوّلت الصداقة إلى حب، فإنها لا تعود كما كانت، لأن الحب يعيد ترتيب المشاعر والتوقعات. الرجل لا يستطيع العودة إلى نقطة البداية وكأن شيئًا لم يكن؛ فالحب في ذاكرته تجربة كاملة، لا حالة عابرة يمكن تجاوزها بسهولة.
من أكثر ما يُضعف العلاقة ويُفقد الرجل تدريجيًا هو الصمت. فالصمت ليس حيادًا كما يُظن، بل حالة قلق. الرجل يحتاج إلى وضوح عاطفي، لا إلى اختبارات صامتة. وحين تطول المساحات الفارغة بين الكلمات، يبدأ الشعور بعدم الاستقرار، ويصبح الحب معلقًا بلا أرض يقف عليها.
الرجل يحب المرأة التي تقف معه، لا فقط في لحظات النجاح، بل في مرحلة البناء. المرأة التي لا تكتفي بالمشاعر، بل تشاركه التفكير، وتضع معه خطوطًا عامة للمستقبل، حتى وإن كانت بسيطة أو قابلة للتغيير. وجود أفق مشترك، أو خطة طويلة الأمد، يحوّل الحلم بالارتباط من فكرة رومانسية إلى مشروع قابل للتحقق.
وفي العلاقات التي تنشأ وسط صعوبات اقتصادية، يصبح هذا الجانب أكثر حساسية. حين يكون الانجذاب متبادلًا، ويؤمن الطرفان أن الارتباط أهم من الراحة المالية المؤقتة، فإن ذلك يتطلّب نضجًا مضاعفًا. فالحب هنا لا يُختبر بالمشاعر وحدها، بل بالقدرة على التخطيط والتشارك والصبر.
في مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري وجود اتفاق واضح أو رؤية مستقبلية تمتد لعام أو ثلاثة أعوام، تهدف إلى الاستقرار التدريجي والوصول إلى الزواج. ليس المطلوب وعودًا كبيرة، بل التزامًا صادقًا بالسعي المشترك. فالتخطيط لا يقتل الحب، بل يحميه من التآكل.
أما حين تتحوّل العلاقة إلى حالة صامتة، بلا نقاش صريح ولا أهداف مشتركة، فإن الأمان يختفي من الطرفين. الصمت هنا لا يدل على النضج، بل على الخوف من المواجهة. ومع غياب الصراحة والاتفاق، تبدأ العلاقة بالاهتزاز، وقد يتجه أحد الطرفين إلى الانسحاب بحثًا عن وضوح افتقده طويلًا.
كثير من القصص التي لم تكتمل لم تكن تفتقر إلى الحب، بل إلى التفاهم والتعاون. فاكتمال العلاقة لا يتحقق بالعاطفة وحدها، بل بوجود رغبة مشتركة في النجاح، واستعداد لتحمّل المسؤولية العاطفية والعملية معًا. التفاهم، والنضج، والتشارك، هي الجسور التي تعبر بها العلاقة نحو برّ الأمان.
في النهاية، لا يخسر الرجل المرأة لأنه توقف عن حبها، بل لأنه لم يعد يشعر أن هذا الحب يتقدّم. فالعلاقة التي لا تنمو، مهما كانت صادقة، تتحوّل مع الوقت إلى ذكرى مؤلمة. أما العلاقة التي يُستثمر فيها بوعي، فتمتلك فرصة حقيقية لأن تكتمل… لا بالكمال، بل بالصدق والشراكة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قريبا، كسوفٌ كلّي للشمس.. ما هي أسرار الظاهرة النادرة وأين ي


.. آثار ليبيا بين النهب والكوارث.. علماء الآثار يصارعون لإنقاذ




.. أميركا توسّع ضرباتها على إيران.. ما سر استهداف الجسور وطرق ا


.. عودة عمليات تحميل النفط الخام من موانئ جنوب العراق




.. قراءة عسكرية | تصاعد الحوادث في مضيق هرمز بعد تصعيد أمريكي إ