الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حلب لم تكن النهاية

وَلات أَسَن

2026 / 2 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


إنّ السبب الجوهري والبنيوي للمآسي التي تتعرّض لها الكُرد على امتداد التاريخ وإلى الآن؛ هو غياب الدولة. فافتقارهم إلى السيادة الوطنية، وإلى إرادة سياسية مركزية، وإلى آليات دفاع جماعية، جعل المجتمع الكردي في كل مرحلة مكشوفًا أمام التدخلات الخارجية، وحروب الوكالة، وسياسات الإبادة المتعمّدة. وما جرى في حلب لم يكن سوى تجلٍّ راهن وملموس لهذه الحقيقة التاريخية.
في حالة حلب، فإن موقف حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) إمّا عكس عمىً سياسيًا عن قراءة الواقع، أو أشار إلى خيار واعٍ قضى بترك الكرد لمصيرهم في مواجهة داعش وما شابهها من التنظيمات الجهادية. وفي كلتا الحالتين، لم تتغيّر النتيجة: فقد دفع المدنيون الكرد ثمنًا باهظًا، دون أن يتحمّل أحد مسؤولية تاريخية عمّا جرى.
إنّ أطروحات «كانتونات المدن» و«اللامركزيات الحيّية» و«الدفاعات المحلية»، في مواجهة الجيوسياسية القاسية للشرق الأوسط، وواقع الصراع المتعدّد المستويات، والتنافس الوحشي بين الفاعلين الدولتيين، تبقى عاجزة عن إنتاج ردٍّ استراتيجي حقيقي. لقد ظلّت هذه المقاربات مشاريع رومانسية، تفتقر إلى البصيرة، ولا تنسجم مع موازين القوى الفعلية على الأرض. والأخطر من ذلك، أنّ ثمة مؤشرات قوية على أنّ جزءًا كبيرًا من هذه الاستراتيجيات قد تشكّل لا انطلاقًا من إرادة المجتمع المحلي، بل وفق توجيهات مركزية صادرة من قنديل.
هذا الواقع أعاد إلى الواجهة، وبصورة صارخة، أزمة بنيوية طالما تهرّبت الحركة السياسية الكردية من مواجهتها: غياب الإرادة السياسية المركزية، وانعدام آليات تمثيل وطني خاضعة للمساءلة. فالتشكيلات المسلحة أو شبه المسلحة المحلية، في غياب أرضية سيادية معترف بها دوليًا، وبدون عقل دولة مؤسّس ومُمأسس، لا تستطيع أن تضمن وجود الشعب الكردي وأمنه بصورة دائمة. وما حدث في حلب جاء ليؤكّد هذه الحقيقة مجددًا، ولكن بكلفة بشرية فادحة.
إن الخط الذي اتّبعه حزب الاتحاد الديمقراطي لا يمكن اختزاله في خطأ عسكري أو تكتيكي فحسب؛ بل هو تعبير عن خيار سياسي قدّم أولويات أيديولوجية ضيّقة على حساب المصالح الوطنية الكردية، متجاهلًا حقائق الواقعية السياسية. فبدلًا من وضع أمن الشعب الكردي واستمراريته في المقام الأول، جرى الارتهان لحسابات تنظيمية محدودة، عاجزة عن قراءة توازنات القوى الإقليمية، الأمر الذي قاد إلى ترك المدنيين بلا حماية، وبلا دفاع، وبلا أفق.
وهنا تبرز مسألة المسؤولية السياسية والمساءلة بوصفها قضية مركزية. فغياب أيّ مراجعةٍ ذاتيةٍ شفافةٍ وصادقةٍ من قبل الجهات التي اتخذت هذه القرارات أو أدارت هذا المسار، ومحاولة تصوير ما حدث على أنه «حتمي» أو «نتيجة للظروف الخارجية» أو «ثمن لا بدّ منه لأهداف ثورية كبرى»، يُعدّ أمرًا مرفوضًا أخلاقيًا وسياسيًا. فالحركة الوطنية لا يحقّ لها أن تُطَبّع مع معاناة شعبها، ولا سيما عندما تكون هذه المعاناة متوقّعة وقابلة للتجنّب.
وفي جغرافيا كالشرق الأوسط، حيث تتحكّم الدول وأجهزتها الاستخباراتية بمفاصل الصراع، فإن تحويل غياب الدولة إلى فضيلة، والتشرذم إلى تعددية، وغياب الإرادة المركزية إلى ديمقراطية، لم يؤدِّ إلى تمكين الشعب الكردي، بل جعله أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للتلاعب، وأكثر انكشافًا أمام الأخطار. وحلب هي المثال الأوضح والأحدث على ذلك. ففي ساحة تعجّ بالتنظيمات الجهادية، وقوى الوكالة، والفاعلين الإقليميين، لا مكان لأوهام الإدارة الذاتية الرومانسية.
وخلاصة القول، فإن مأساة حلب لم تكن خللًا أمنيًا عابرًا، ولا نتيجة اعتداءات خارجية فحسب، بل كانت ثمرة مباشرة لعجز العقل السياسي الكردي عن التفكير بمنطق الدولة، وعن تحديد الأولويات الوطنية بوضوح، وعن بناء إرادة وطنية مركزية، شرعية، وخاضعة للمساءلة. لقد دفع الشعب الكردي، مرة أخرى، ثمن الأيديولوجيات الجامدة والمصالح التنظيمية بدمه.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس تمجيد الألم عبر الخطابات الحماسية، بل مواجهة حقيقة اللادولة، وبناء خط سياسي جديد يتمحور حول السيادة الوطنية، ووضع حدٍّ لاحتجاز مصير الشعب بيد تشكيلات تنظيمية ضيّقة. وإلّا، فإن حلب لن تكون نهاية، بل بداية لتكرار المأساة.
-------------------------------------------------
ولات أَسَن؛ باحث وناشط سياسي من شمال كردستان








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل كان تردد بريطانيا في دعم أميركا خلال التصعيد مع إيران خطأ


.. صراع ممرات التجارة العالمية.. طرق جديدة تنافس قناة السويس




.. هل ينجح ترمب في هندسة نظام إيراني جديد من الداخل؟


.. ما المراحل المتبعة في العمليات العسكرية قبل السيطرة على الأج




.. الجيش الإسرائيلي: واصلت إيران استهدافنا وأصيب عدد من الإسرائ