الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هل نحتاج أركون اليوم؟ زحزحة السياج واستعادة العقل
محفوظ بجاوي
2026 / 2 / 1العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لم يكن محمد أركون مجرد باحث عابر في التراث، بل
كان جراحاً معرفياً بامتياز، هدفه تفكيك البنى الذهنية التي تحكمت في العقل الإسلامي لقرون. تبرز حاجتنا الماسة إليه اليوم في ظل الانغلاق الهوياتي الذي نعيشه، حيث يقدم لنا المشرط لا لقطع الصلة مع التراث، بل لتنظيفه من ترسبات الجمود والدوغما. إن أركون يعلمنا أن نقد الفكر الديني ليس فعلاً تدميرياً، بل هو عملية أنسنة تهدف إلى إعادة الاعتبار للعقل البشري أمام جبروت التفاسير التي تحولت بمرور الزمن إلى مقدسات موازية للنص الأصلي، مما جعل البشر عبيداً لقراءات تاريخية بدلاً من أن يكونوا شركاء في إنتاج المعنى.
يرتكز مشروع أركون على كسر ما يسميه السياج المعرفي المغلق وهو تلك الحدود الوهمية التي رسمتها السلطات السياسية والدينية لتحديد ما يجوز التفكير فيه وما يمنع الاقتراب منه. نحن نحتاج أركون اليوم لنفهم أن ( اللامفكر فيه) في تاريخنا ليس منطقة محرمة إلهياً، بل هي مساحات تم تهميشها لخدمة استقرار الأرثوذكسية الرسمية. عبر منهجه في الإسلاميات التطبيقية، يمنحنا أركون أدوات العلوم الإنسانية، من لغويات وأنثروبولوجيا وعلم اجتماع لنكشف كيف تشكلت القناعات الكبرى وكيف يمكن إعادة قراءتها بما يتناسب مع روح العصر، محطماً بذلك أصنام الفكر التي تمنع الإنسان من ممارسة حقه الطبيعي في النقد والتمحيص والمكاشفة.
تتجلى عبقرية أركون أيضاً في اشتغاله على المخيال الجماعي حيث يوضح كيف تحولت الأساطير والرموز التاريخية إلى محركات عاطفية تحرك الجماهير بعيداً عن منطق العقل والبرهان. إن حاجتنا إليه تكمن في قدرته على تفكيك هذه الهالات التي تمنعنا من رؤية التاريخ على حقيقته كفعل بشري مشوب بالخطأ والصواب، وبالصراع على السلطة والموارد. فمن خلال أنسنة التجربة الدينية، يعيد أركون للذات الإنسانية فاعليتها، مخرجاً إياها من حالة التلقي السلبي إلى حالة النقد الخلاق، حيث يصبح الإيمان اختياراً واعياً قائماً على المعرفة والحرية، لا مجرد استسلام لموروث ثقيل يرفض المساءلة أو التجديد المستمر.
إن جوهر الحاجة إلى أركون تكمن في قدرته على التمييز الدقيق بين ( الظاهرة القرآنية ) في إشراقها الأول، وبين المدونات التفسيرية التي صاغتها عقول بشرية محكومة بظروفها التاريخية. هذا التمييز هو المفتاح لتحرير المقدس من قبضة التاريخ، ومنح المسلم المعاصر فرصة للتصالح مع الحداثة دون فقدان هويته الروحية. إن قراءة أركون اليوم هي دعوة للانتقال من ( العقل المستقيل ) الذي يكتفي بالاجترار إلى ( العقل المنبثق ) الذي يجرؤ على السؤال والمساءلة مؤمناً بأن الحقيقة ليست ملكية خاصة تحتكرها جماعة أو مؤسسة، بل هي أفق معرفي مفتوح يسع الجميع ويحترم كرامة العقل الإنساني في بحثه الدائم عن اليقين.
إننا لا نحتاج أركون لنقرأ التاريخ فحسب، بل لنمتلك الشجاعة على كتابة تاريخنا الجديد؛ فالدين الذي لا يقبل المساءلة يتحول إلى سجن، والعقل الذي لا يجرؤ على النقد يظل حبيس السياج.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. جامع فى مصر مستحيل يتهد.. وليه اللى يدخله يحس انه دخل المسجد
.. لبنان بقصة - المسيحيون المشرقيون
.. بايعتُ بن لادن… ثم تجسّستُ عليه | اعترافات أيمن دين | #السؤا
.. حزب عربي يهودي يبحث عن مقعد في الكنيست | في عمق الخبر
.. الشباب الإيراني يدعو للثأر والانتقام من قتلة المرشد الأعلى ا