الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي
(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)
2026 / 2 / 1
العولمة وتطورات العالم المعاصر
الوعي في الفكر الإسلامي بين المعرفة و تحولات العولمة
الوعي ليس مفهومًا بسيطًا أو محايدًا ؛ إنه بنية مركبة تتداخل فيها المعرفة، والقيم، واللغة، والسلطة، والتاريخ. وحين يُطرح سؤال الوعي في الفكر الإسلامي، فإننا لا نتحدث عن حالة ذهنية فردية فقط، بل عن رؤية كونية - Worldview تشكلت عبر النص، والعقل، والتجربة التاريخية. ومع دخول العولمة بوصفها منظومة كونية لإعادة إنتاج المعنى، لم يعد الوعي الإسلامي معزولًا أو مكتفيًا بذاته، بل صار في حالة احتكاك دائم مع أنماط جديدة من التفكير والتمثّل والوجود.
لم يستخدم الفكر الإسلامي الكلاسيكي مصطلح “الوعي” بالصيغة الفلسفية الحديثة، لكنه عالج مضمونه عبر مفاهيم قريبة مثل " العقل، الفهم، الإدراك، البصيرة، القلب، واللبّ" فالوعي في هذا السياق لم يكن مجرد نشاط دماغي، بل حالة وجودية أخلاقية.
يرى الفلاسفة المسلمون، كالفارابي وابن سينا، أن العقل يمر بمراحل ارتقائية " بالعقل الهيولاني، بالملكة، بالفعل، المستفاد " ما يعني أن الوعي ليس معطى جاهزًا، بل مسار تشكّل وتكمّل مرتبط بالمعرفة والفضيلة معًا ، أما في الفكر الكلامي، فقد ارتبط الوعي بمسؤولية الإنسان وقدرته على الاختيار، وهو ما يجعل الإدراك شرطًا أخلاقيًا للتكيف .
في التصوف الإسلامي، يأخذ الوعي بعدًا أعمق، حيث يُفهم بوصفه حضورًا وجوديًا، لا مجرد معرفة ذهنية. فالجنيد والحارث المحاسبي يتحدثان عن وعي الإنسان بنفسه بوصفه شرطًا لمعرفة الحق، في علاقة جدلية بين الداخل والخارج .
و مع تطور العلوم الإنسانية الحديثة، خصوصًا علم الاجتماع وفلسفة المعرفة، لم يعد الوعي يُفهم كظاهرة نفسية فقط، بل كبنية اجتماعية وثقافية. وهنا يمكن قراءة الفكر الإسلامي بوصفه منتجًا لوعي جمعي تشكل عبر اللغة العربية، والفقه، والطقوس، والتاريخ السياسي.
و يُظهر محمد عابد الجابري أن العقل الإسلامي تشكّل ضمن أنساق معرفية محددة (بيانية، عرفانية، برهانية)، وكل نسق منها أنتج نمطًا معينًا من الوعي والتفكير ، هذا التحليل يسمح بفهم أن الوعي الإسلامي لم يكن واحدًا أو ثابتًا، بل تاريخيًا ومتعدد البنى.
العولمة ليست مجرد انفتاح اقتصادي أو تكنولوجي؛ إنها نظام لإعادة تشكيل الوعي عبر الإعلام، والتعليم، والاستهلاك، واللغة. فهي تفرض نموذجًا كونيًا للإنسان ، فردًا استهلاكيًا، سريع التكيّف، متحررًا من المرجعيات المحلية، لكنه في الوقت ذاته هشّ الهوية.
في هذا السياق، يواجه الوعي في المجتمعات الإسلامية تحديًا مزدوجًا ما بين تفكيك المرجعيات التقليدية دون تقديم بديل متجذر و تحويل الدين من منظومة معنى إلى محتوى رمزي قابل للاستهلاك.
يشير زيغمونت باومان إلى أن العولمة تنتج " سيولة معرفية" تجعل الوعي في حالة عدم استقرار دائم ، وهو ما ينعكس بوضوح على المجتمعات ذات البنى الرمزية العميقة، ومنها المجتمعات الإسلامية.
و يمكن رصد ثلاثة أنماط رئيسة لاستجابة الوعي الإسلامي للعولمة :-
١. الانغلاق الدفاعي: حيث يُنظر إلى العولمة كتهديد وجودي، فيُعاد إنتاج وعي تقليدي جامد.
٢. الذوبان اللامشروط: حيث يُستبدل المرجع الإسلامي بنماذج غربية جاهزة.
٣. النقد التفاعلي: وهو النمط الأكثر نضجًا، حيث يُعاد التفكير في التراث بوصفه موردًا حيًا، لا مقدسًا جامدًا ولا عبئًا تأريخيًا .
هذا النمط الثالث يفتح المجال أمام وعي إسلامي معاصر، قادر على المساءلة دون قطيعة، والتجديد دون فقدان الجذور.
أن أخطر ما تفعله العولمة ليس تدمير القيم، بل تفريغها من معناها. فالوعي الأخلاقي في الفكر الإسلامي كان مرتبطًا بالغاية " العدل، الكرامة، الاستخلاف" بينما تميل العولمة إلى تحويل الأخلاق إلى خيارات فردية بلا أفق كوني.
هنا يبرز سؤال جوهري " هل يستطيع الفكر الإسلامي أن يقدّم تصورًا للوعي يحفظ المعنى دون أن ينغلق؟" الجواب لا يكمن في العودة الشكلية للماضي، بل في إعادة بناء فلسفة للوعي تنطلق من الإنسان ككائن مسؤول، لا مجرد مستهلك للمعنى.
ختامًا ، الوعي في الفكر الإسلامي، حين يُقرأ قراءة فلسفية تاريخية، يظهر كمنظومة مفتوحة قابلة للتجدد. أما العولمة، فهي اختبار حقيقي لقدرة هذا الوعي على البقاء فاعلًا دون أن يتحول إلى أثر متحفي أو نسخة مشوهة من وعي آخر.
الرهان اليوم ليس على الدفاع أو الرفض، بل على إنتاج وعي مركّب ، واعٍ بجذوره، ناقد لذاته، منفتح على العالم، دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية والمعرفية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ترامب والزيدي.. شراكة جديدة أم مواجهة مع نفوذ إيران؟ | #غرفة
.. نقاش الساعة | فانس يهاجم إسرائيل ويفضح مساعيها لإفشال مفاوضا
.. غارات أمريكية تستهدف مدينة بندر عباس جنوبي إيران
.. من هو جوزيه مورينيو؟
.. عبر الخريطة التفاعلية.. الجنوب الإيراني تحت القصف الأمريكي