الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الصفحة التي لم تُغلق: شهادات الخراب والصمت
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 2 / 2
الادب والفن
لم تُكتب هذه الصفحة بالحبر، ولم تُصغ من خيال يبحث عن استعارة أو مجاز. هذه الصفحة فُتحت لأنها عُرضت على العين قبل القلب، ولأنها كُتبت من واقع عُيش، لا من حكاية متخيّلة. تُركت مفتوحة لأن الحقيقة، في لحظات معيّنة، لا تجد من يحميها، ولأن الصمت قد يكون أبلغ من أي برهان.
ما حدث لم يكن سوء تفاهم عابرًا، بل مسار إفساد بطيئًا، مدروسًا، استُخدم فيه الشك كأداة، والتحريض كلغة، والسكوت كغطاء. كانت العلاقة تسير بهدوء، تنمو على نار هادئة، إلى أن سُمح لظلٍّ دخيل أن يتسلل، لا ليكون طرفًا معلنًا، بل ليكون عامل تشويش، يذيب السمّ في العسل دون ضجيج. ومنذ تلك اللحظة، بدأ كل شيء يتغيّر دون أن يبدو التغيير فجًّا، وهذا أخطر أشكال الانهيار.
لم يكن الخراب عاطفيًا فقط، بل امتدّ إلى الثقة، وإلى الاستقرار الوظيفي، وإلى أحلام بريئة لم ترتكب سوى خطيئة الإيمان بالآخر. على امتداد وقت طويل، كانت تُنسج الشِباك بصبر، فرصة بعد فرصة، ومساحة بعد مساحة، بينما كان التحذير حاضرًا، لا بدافع الاتهام، بل بدافع الحرص. ومع ذلك، بقيت الحقيقة معلّقة، لا تُكذّب ولا تُصدّق، وكأن الانتظار كان أسهل من المواجهة.
في هذا المشهد، لم يكن الخراب صاخبًا. لم يأتِ في صورة صدمة واحدة، بل في تفاصيل صغيرة، متراكمة، تتخفّى خلف أقنعة الحرص والغيرة والخوف. تحوّل التشويش إلى رأي، والتدخّل إلى نصيحة، وأصبح الدفاع عن الحقيقة مجهودًا مرهقًا، لأن الضباب حين يشتدّ، لا يعود أحد قادرًا على رؤية الصورة كاملة.
الأقسى في هذه التجربة لم يكن الفعل نفسه، بل ما يخلّفه من شعور بالعجز. أن ترى الانهيار قادمًا ولا تمتلك الأدوات لإيقافه. أن تحاول حماية ما تحب، فتكتشف أن الحب وحده لا يكفي دائمًا أمام تراكم الشكوك وسوء التأويل. هنا يصبح الألم وجوديًا، لا لأن الخسارة وقعت، بل لأن الجميع كان يدفع ثمن مسار لم يختره بالكامل.
في قلب هذا الخراب، لم يكن هناك مذنب واحد، بل ضحايا لمسار واحد. ضحايا لصمت طال أكثر مما يجب، ولتدخّلات لم تُواجَه في وقتها، ولحقيقة لم تُحسم حين كان الحسم ممكنًا. تُركت الصفحة مفتوحة لأنها حملت عبء ما لم يُعالج، لا لأن أحدًا أراد الهروب، بل لأن الظروف كانت أقوى من النوايا.
«الصفحة التي تركناها مفتوحة» ليست عنوانًا عاطفيًا، بل توصيف لحالة إنسانية تتكرر كثيرًا. حالة قصص لا تُغلق لأنها لم تنتهِ بشكل عادل، بل توقّفت في منتصف الطريق. وهي شهادة على أن بعض الانكسارات لا تنتج عن قسوة القلوب، بل عن تراكم الصمت، وعن تأجيل المواجهة حتى تفقد قدرتها على الإنقاذ.
ختامًا، لم تُترك هذه الصفحة مفتوحة لأن أحدًا عجز عن الإغلاق، بل لأن القلب رفض أن يُغلق ما كان يومًا صادقًا. فبعض القصص لا تنتهي حين تتكسر، بل حين تفقد معناها، وهذا المعنى ما زال حيًا، يتنفس تحت الركام. ما زال بيننا فهم يشبه الذاكرة، ولغة مشتركة لم تخذلنا، وإن أثقلها التعب وسوء الظن والوقت القاسي.
الحنين هنا ليس عودة إلى الوراء، بل وقوف صامت أمام ما كان جميلًا، اعتراف بأن الحب الذي مُسّ بالخراب لم يكن وهمًا، وأن القرب الذي تضرر لم يكن خطأ. وربما، حين تهدأ الأرواح من ضجيج الآخرين، يمكن لما تبقى من دفء أن يعيد ترتيب الأشياء، لا ليكرر الماضي، بل ليمنحه فرصة أن يُفهم من جديد.
«الصفحة التي تركناها مفتوحة» ليست جرحاً معلّقًا، بل وعداً مؤجلاً. وعد بأن ما فُسد بفعل الظلال يمكن أن يُعاد ترميمه بنور الصدق. وبأن ما قُتل ببطء قد يجد طريقه إلى حياة أخرى، أكثر وعيًا، أكثر رحمة، وأكثر إنصافًا للقلب الذي ما زال يعرف… وما زال يشعر… وما زال، رغم كل شيء، قادرًا على الحب.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كلمة أخيرة - الفنان أحمد جلال عبد القوي مات بنوع نادر من الس
.. هاني شنودة تنبأ لي إني هكون فنانة كبيرة.. الفنانة سيمون تحكي
.. غياب تام للمطربين فى جنازة الموسيقار هانى شنودة والشاعرة نور
.. لحظة تشييع جثمان الفنان أحمد عبد القوي وسط حالة من الحزن
.. انتظرواالمخرج أحمد خالد أمين في حلقة خاصة من برنامج #ON_Set