الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العراق في زمن اللايقين المالي العالمي: لماذا يجب أن تسبق سياسات التحوط أي مشروع إصلاحي؟

عامر عبد رسن

2026 / 2 / 3
الادارة و الاقتصاد


لماذا ارتفعت أسعار الذهب… ثم عاودت الانخفاض؟
قراءة في تحولات الثقة بالنظام النقدي العالمي
منذ عام 1971، حين ألغيت رسميا قاعدة الذهب، لم يعد الدولار الأميركي عملة مغطاة بالمعدن النفيس، بل أصبح يستند إلى ثلاثة أعمدة أساسية:
• قوة الاقتصاد الأميركي،
• عمق أسواقه المالية،
• والثقة السياسية والمؤسسية بالنظام الأميركي.
هذه المعادلة لم تنهر، ولا تزال فاعلة حتى اليوم. لكن ما يجري في الأسواق العالمية حاليا لا يمكن اختزاله بسردية انهيار الدولار، بل هو أدق وأعمق:
إنه تآكل تدريجي في احتكار الدولار المطلق كحامل وحيد لمدخرات العالم.
السؤال الحقيقي لم يعد:
هل ينهار الدولار؟
بل أصبح:
هل ما زال العالم راغبا في وضع كل احتياطياته داخل أصل واحد؟
من الاحتكار إلى إدارة المخاطر
خلال العامين الأخيرين، اتخذت دول كبرى وغنية – من بينها الصين، بعض دول الخليج، سنغافورة، روسيا، إضافة إلى بنوك مركزية آسيوية وأفريقية – خطوات واضحة لتقليص حيازاتها من سندات الخزينة الأميركية.
الصين وحدها قلصت ما يقارب 600 مليار دولار من هذه السندات.
هذا السلوك لا يعكس عداء للدولار، بل تحولا في فلسفة إدارة المخاطر الجيوسياسية، خصوصا بعد استخدام الدولار ونظام SWIFT كسلاح عقوبات، كما حدث مع تجميد الاحتياطيات الروسية في المصارف الأوروبية.
في هذا السياق، عاد الذهب إلى الواجهة، ليس بوصفه بديلا للعملات، بل كأصل سيادي محايد لا يخضع لقرار سياسي أو تجميد إداري.
يبدو أنها كانت موجة صعود… ثم تصحيح عنيف
سجل الذهب خلال الأشهر الماضية أعلى مستويات مشتريات رسمية من البنوك المركزية منذ أكثر من خمسين عاما، ما شكل محركا رئيسيا لموجة الارتفاع التاريخية، إلى جانب المضاربات بطبيعة الحال.
لكن كما في كل دورة مالية، اختلط الهيكلي بالمضاربي. فبعد بلوغ الذهب قمما تاريخية، دخل السوق مرحلة تصحيح حاد، مدفوعا بعدة عوامل متداخلة:
• غياب بيانات اقتصادية أميركية حساسة بسبب الإغلاق الجزئي للحكومة.
• تحولات في توقعات أسعار الفائدة الأميركية.
• ما بات يُعرف بـ بصمة شنغهاي، حيث فرضت التداولات الآسيوية – خصوصا الصينية – إيقاعها على السوق العالمية.
هذه البصمة تحولت سريعا إلى عبء حين تدخلت المصارف الصينية لكبح السيولة الساخنة، فانفجرت فقاعة المضاربات، وتحول الملاذ الآمن مؤقتا إلى ساحة تصفيات قسرية، امتد أثرها إلى الفضة والمعادن والعملات المشفرة.
الذهب ليس فقاعة… بل إعادة توزيع ثقة
رغم قسوة التصحيح، تراهن مؤسسات مالية دولية على أن القيمة الهيكلية للذهب المادي لم تمس
فالطلب السيادي لا يزال قائما، والدافع ليس تحقيق أرباح قصيرة الأجل، بل إعادة توزيع الثقة في عالم بات نظامه المالي أكثر تسييسا من أي وقت مضى.
والتحول لا يقتصر على الذهب:
• صعود دور تكتل بريكس في تجارة الطاقة والسلع.
• تنويع الاحتياطيات بين الذهب، اليوان، عملات إقليمية، وأصول حقيقية كالمعادن والطاقة والغذاء.
• حتى العملات الرقمية دخلت – جزئيًا – كأدوات تحوط من النظام المالي التقليدي.
الخلاصة: نهاية سياسة العملة الواحدة… لا نهاية الدولار
المرحلة القادمة ليست نهاية العملة الأميركية، بل نهاية فكرة أن يحمل أصل واحد عبء النظام المالي العالمي بأكمله. والأذكى – فردا كان أم دولة – هو من يدرك أن: الادخار النقدي الخالص لم يعد ملاذا،
وأن تنويع الأصول هو لغة العصر الجديد. الذهب، في هذا السياق، لا يصعد لأنه بديل عن الدولار، بل لأنه مرآة لقلق عالمي يعيد ترتيب ثقته، لا ينسفها.
أولا: الإطار الذهني للتحوط في حالة العراق : العراق ليس اقتصاد نمو حاليا، بل اقتصاد بقاء واستقرار نسبي. لذلك، أي سياسة تحوط يجب أن تبنى على ثلاث حقائق غير قابلة للتجميل:
1. الاقتصاد أحادي المورد (نفط)
2. السيادة النقدية منقوصة فعليا ( بحكم الدولار، الاحتياطي، الامتثال الدولي)
3. الدولة هي رب العمل الأكبر والمستهلك الأكبر والموزع الأكبر
إذن، هدف التحوط ليس تعظيم العائد، بل:
• تقليل الانكشاف على الصدمات
• إطالة أمد الاستقرار المالي
• منع الانهيار المتسلسل عند أول أزمة إقليمية أو نفطية
ثانيا: السياسة الاقتصادية (Economic Policy)، وسؤالها الجوهري: كيف ينتج الاقتصاد؟
التحوط عبر إعادة تعريف التنويع ، التنويع في العراق لا يعني خلق قطاعات جديدة دفعة واحدة، بل:
• تقليل كلفة الدولة على الاقتصاد
• تقليل اعتماد المجتمع على التوظيف الحكومي
• تحويل الدولة من مشغل إلى منظّم
مقترحات عملية:
• وقف التوسع الوظيفي الحكومي دستوريًا (سقف توظيف)
• تحويل الدعم من دعم أسعار إلى دعم إنتاج
• تفكيك الأنشطة الحكومية القابلة للخصخصة التدريجية:
o النقل
o التوزيع
o الخدمات الثانوية
التحوط يعني هنا تقليل التزامات الدولة المستقبلية (تحوط غذائي–طاقي مزدوج). العراق لا يحتاج أمنا غذائيا كاملا، بل:
• أمنا غذائيا انتقائيا (قمح – شعير – رز – أعلاف)
• أمن طاقة داخلي يفصل الاستهلاك المحلي عن التصدير
أدوات:
• عقود زراعة طويلة الأجل (PPP)
• ربط الدعم الزراعي بالإنتاج لا بالمساحة
• فصل حسابات الطاقة المحلية عن حسابات التصدير النفطي
ثالثا: السياسة المالية (Fiscal Policy)، وسؤالها الجوهري: كيف تنفق الدولة؟
التحوط المالي يبدأ من كبح الإنفاق الجاري ، أخطر ما في العراق:
• الرواتب
• التقاعد
• الدعم المفتوح
هذه قنابل زمنية مالية.
مقترحات تحوط:
• تثبيت نسبة الإنفاق الجاري من الناتج المحلي (Fiscal Rule)
• أي زيادة نفطية → تذهب تلقائيا للاحتياطيات أو صندوق سيادي
• منع استخدام الوفورات النفطية للتوظيف أو زيادات الرواتب
تأسيس صندوق سيادي تحوطي لا استثماري ، العراق لا يحتاج صندوقا كالنرويج، بل:
صندوق امتصاص صدمات ، خصائصه:
• أصوله:
o ذهب
o سندات سيادية غير أميركية جزئيًا
o سيولة متعددة العملات
• ممنوع:
o تمويل الموازنة الجارية
o تمويل مشاريع سياسية
يكون التحوط عبر تفكيك وهم الإيرادات غير النفطية ، مثل الضرائب في اقتصاد ريعي هش:
• لا تستخدم لتمويل الدولة
• بل لضبط السلوك الاقتصادي
الأفضل:
• ضرائب انتقائية ذكية:
o كماليات
o مضاربة
o استيراد استهلاكي
وليس: ضغط على الإنتاج المحلي أو الدخول الضعيفة
رابعا: السياسة النقدية (Monetary Policy)، وسؤالها الجوهري: كيف نحمي العملة والثقة؟
وهنا يجب أن نكون صريحين: العراق لا يملك سياسة نقدية مستقلة كاملة. والتحوط النقدي هو ليس رفع أو خفض سعر الصرف ، التحوّط الحقيقي هو:
• إدارة الاحتياطيات
• تنويعها
• حمايتها من التسييس الخارجي
مقترحات:
• رفع حصة الذهب تدريجيًا
• تخفيض الاعتماد الأحادي على الدولار دون إعلان سياسي
• توزيع الاحتياطيات جغرافيًا ومؤسسيًا
ونحتاج بصورة عاجلة الى تحوط مصرفي داخلي ، إذ أن النظام المصرفي العراقي مازال :
• ضعيف
• هش
• عرضة للذعر
وعليه يجب تعزيز هذه إلاجراءات:
• ضمان ودائع محدود وواضح
• منع التوسع الائتماني غير المنتج
• ربط الإقراض بالإنتاج لا بالاستهلاك
خامسا: أخطر خطأ يجب تجنبه ، هو خلط السياسة الاقتصادية بالمالية بالنقدية
• لا تطلب من البنك المركزي حل مشاكل الموازنة
• لا تستخدم السياسة المالية لمعالجة بطالة هيكلية
• لا تحمل سعر الصرف وزر فشل الإدارة العامة
هذا الخلط هو ما أسقط دولا أكبر من العراق.
الخلاصة التحوطية ، العراق بواقعه الحالي لا يحتاج:
• شعارات تنويع
• ولا قفزات نقدية
• ولا وصفات جاهزة
بل يحتاج:
• إدارة هادئة للمخاطر
• تقليل الالتزامات المستقبلية
• شراء الوقت بثمن عقلاني
التحوط ليس طموحا… التحوط فن البقاء حين لا تملك ترف المغامرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تداعيات الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية وأثرها عل


.. تعمير -لقاء مع د/خالد أبو زهرة وحوار بخصوص تعديلات قانون الض




.. إغلاق مضيق هرمز يرفع أسعار النفط ويزيد المخاوف من اضطراب الإ


.. تعمير - تعرف على الاعفائات داخل تعديلات قانون الضريبة العقار




.. تعمير - د/خالد أبو زهرة: الدولة تستهدف حصيلة أقل من الضريبة