الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
«الناتو الإسلامي» في مواجهة المحور الإسرائيلي–الهندي
زياد الزبيدي
2026 / 2 / 3مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
4 شباط/فبراير 2026
في مقاله المنشور في “المراجعة العسكرية” بتاريخ 16 يناير 2026، لا يكتب يفغيني فيدوروف عن حرب وشيكة بقدر ما يكتب عن شكل العالم الذي يتكوّن قبل الحرب. سؤاله الظاهري يبدو بسيطاً: من سيتفوّق — ما يُسمى «الناتو الإسلامي» أم الشراكة الإسرائيلية–الهندية؟ لكن سؤاله الحقيقي أعمق بكثير: أي نموذج من التحالفات صالح لعصر تُحسم فيه القوة داخل المختبرات بقدر ما تُحسم في الميدان؟
الفكرة التي يضعها فيدوروف على الطاولة مثيرة: في الخلفية الجيوسياسية للشرق الأوسط وجنوب آسيا، يتشكل مساران مختلفان تماماً. المسار الأول صاخب، سياسي، مفعم بالخطاب والهُوية. والمسار الثاني هادئ، تقني، يتقدم بلا شعارات، لكنه يراكم طبقات من الإعتماد المتبادل يصعب تفكيكها لاحقاً.
ما يُسمّى إعلامياً بـ«الناتو الإسلامي» ليس تحالفاً رسمياً حتى الآن، بل إتجاه سياسي–أمني يتمحور حول إتفاقية الدفاع المتبادل بين السعودية وباكستان، مع طموح تركي للإلتحاق بالمظلة. الصورة التي تُقدَّم جذابة: باكستان النووية، السعودية ذات الموارد المالية الهائلة، وتركيا التي تملك جيشاً مُهيكلاً وفق معايير الناتو. فيدوروف ينقل هذا التصور كما هو تقريباً: «إذا نجح الأمر كله، فسوف تظهر في المنطقة كتلة عسكرية قوية». لكن الجملة التالية في منطقه التحليلي أهم بكثير مما يبدو؛ فالقوة النظرية لا تعني تلقائياً قدرة تشغيلية مشتركة.
العقدة الأولى التي يلمّح إليها تكاد تكون جغرافية بحتة، لكنها عسكرية بإمتياز: لا حدود مشتركة، لا مسرح عمليات موحّد، ولا عمق لوجستي متصل. التحالفات العسكرية لا تقوم فقط على الإرادة السياسية، بل على خرائط، موانئ، ممرات إمداد، وبنى قيادة وسيطرة متكاملة. من دون ذلك، يبقى التحالف أقرب إلى مظلة رمزية أو إطار للتشاور منه إلى كتلة قتال منسجمة.
ثم تأتي عقدة عدم تماثل القوة. باكستان تملك الردع النووي، لكنها تعاني ضغوطاً إقتصادية مزمنة. السعودية تملك المال، لكنها لا تزال في طور بناء قاعدة صناعية عسكرية مستقلة. تركيا تملك الخبرة الصناعية النسبية والطموح الجيوسياسي، لكنها — كما يلمّح فيدوروف — «تلعب على عدة طاولات»، من الناتو إلى روسيا، ومن قطر إلى ليبيا. في مثل هذا التكوين، لا يكون السؤال: من يملك السلاح؟ بل: من يقود؟ ومن يموّل؟ ومن يقرر ساعة الإختبار؟ هذه الأسئلة عادةً ما تظهر بعد إعلان التحالف، لا قبله.
لكن بينما يظل هذا المشروع في طور التعريف السياسي، يشير فيدوروف إلى مسار آخر يتشكل منذ عقود بعيداً عن الضجيج: العلاقة الدفاعية بين الهند وإسرائيل. هو يصفها بعبارة مفصلية: «الهند وإسرائيل منذ سنوات عديدة تبنيان بهدوء وبدون ضجيج مبادرة دفاعية منطقية». كلمة “منطقية” هنا ليست إنشائية، بل تقنية. لأن ما يجري ليس صفقات شراء تقليدية، بل إندماج تدريجي في التكنولوجيا والقدرات الصناعية.
عندما يذكر نظام Barak-8 — المعروف في الهند بإسم MRSAM — لا يقدمه كنظام دفاع جوي فحسب، بل كرمز لتحول أعمق: مشروع مشترك بين الصناعة الإسرائيلية ومنظومة البحث والتطوير الدفاعي الهندية. هذه ليست علاقة بائع ومشترٍ؛ إنها علاقة مهندسين يعملون على منصة واحدة. الصاروخ، الرادار، أنظمة القيادة، وحتى سلسلة الإنتاج المحلي، كلها تدخل في شبكة خبرات متداخلة. هنا تتحول القوة من قطعة سلاح إلى معرفة تراكمية.
فيدوروف يلفت الإنتباه أيضاً إلى مجال أكثر دلالة على حروب المستقبل: أسلحة الطاقة الموجهة. حين يتحدث عن إختبارات ليزر قادرة على إصابة طائرات بدون طيار على مسافة عدة كيلومترات، فهو يشير إلى إنتقال الشراكة نحو تقنيات ما بعد الجيل التقليدي من التسليح. في هذا المستوى، لا يعود التحالف مجرد توازن قوى، بل يتحول إلى نظام إبتكار مشترك.
في المقابل، التعاون داخل الكتلة الإسلامية المحتملة — رغم وجود مشاريع مهمة بين تركيا وباكستان — لا يظهر بعد كمنظومة بحث وتطوير عابرة للدول على نطاق واسع. الفارق هنا ليس كمياً فقط، بل بنيوي: هل يتم إستيراد المنظومات، أم بناء القدرة على تصميم الجيل التالي منها؟
ثم يضيف فيدوروف طبقة أخرى من المشهد عبر إطار I2U2، الذي يجمع الهند وإسرائيل مع الولايات المتحدة والإمارات. هو إطار إقتصادي في ظاهره: طاقة متجددة، أمن غذائي، بنية تحتية، فضاء، بيانات. لكن في عالم اليوم، الحدود بين المدني والعسكري أصبحت شبه شفافة. أنظمة الإستشعار الفضائي، تحليل البيانات المناخية، حماية الشبكات الحيوية — كلها تقنيات مزدوجة الإستخدام. التجربة الأوكرانية أثبتت أن ما يُطوَّر لأغراض مدنية يمكن أن يتحول بسرعة إلى أداة عسكرية حاسمة. وهكذا، تجد الهند نفسها داخل شبكة تكنولوجية أوسع، لا تقوم على التحالف العسكري المعلن، بل على الإعتماد المتبادل في البنية التحتية للقرن الحادي والعشرين.
من هنا، يتضح أن الإطار الذي يضعه فيدوروف لا يدور حول مواجهة دينية أو حضارية كما قد يوحي العنوان. الصراع الحقيقي، كما يتبدى في سطور مقاله، هو بين نموذجين: نموذج يقوم على السياسة والخطاب والهوية، ونموذج يقوم على الصناعة، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد، والبحث المشترك. الأول يمكن أن يولد بسرعة، مدفوعاً بالظروف الجيوسياسية. الثاني يتشكل ببطء، لكنه يصبح مع الوقت أصعب في التفكيك وأكثر عمقاً في التأثير.
في عالم كانت فيه القوة تُقاس بعدد الدبابات والطائرات، ربما كان التفوق يُحسم في ساحات الإستعراض العسكري. أما اليوم، فالقوة تُبنى داخل المختبر، في خطوط الإنتاج، في شرائح الإلكترونيات، وفي الشيفرات البرمجية. لهذا يبدو أن السؤال الذي يطرحه فيدوروف — حتى لو جاء بصيغة تنافس بين كتلتين — ينتهي إلى خلاصة أعمق: من يتحول من مستورد للأمن إلى منتج للتكنولوجيا؟ هنا فقط يُحسم ميزان القوة طويل الأمد.
وهكذا، بينما يتجادل الساسة حول التحالفات ويُطلقون التسميات، يستمر العمل الهادئ في أماكن أقل صخباً: مراكز الأبحاث، شركات الصناعات الدفاعية، ومشاريع التطوير المشترك. وفي تلك المساحات تحديداً، يُرسم شكل التوازنات التي ستظهر إلى السطح بعد سنوات — وربما بعد أول إختبار كبير.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الرئيس الإيراني: علينا فهم الأسباب خلف احتجاجات الشهر الماضي
.. ملفات إبستين تشير إلى احتمالية حصوله على قطع من كسوة الكعبة
.. الخامسة | الحكومة اللبنانية: لا مقايضة على البيان الوزاري ول
.. إيران: معارضة مشرذمة تفتقد للزعامة؟ • فرانس 24 / FRANCE 24
.. مفاوضات تحت النار.. هل تنجح جنيف في وضع نهاية لحرب روسيا وأو