الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لماذا لم يرث أبناء النخب العربية في المهجر تفوق آبائهم؟

محمد المذكوري

2026 / 2 / 3
قضايا ثقافية


ألم تسائل يوما أيها المهاجر المتوفق لماذا أبنائنا ليسوا مثلنا في دول المهجر؟ أنا شخصيا ‏طرحت على نفسي نفس السؤال وبررته بعامل الخصاص والوفرة كما في مقدمة ابن خلدون ‏وشرحه لتطور الأمم وانحدارها، لكن عندما طرح على هذا السؤال من غيرى تعين التفكير بالعقل ‏المجرد والبحث عما واراء العامل النفسي وارتباطه بالمفهومين السابقين. ‏
وعليه فمن يطالع خرائط البحث العلمي العالمي، أو يتأمل أسماء الأساتذة الكبار والباحثين ‏في المختبرات المتقدمة ووكالات الفضاء وشركات التكنولوجيا الفائقة، يلاحظ حضورًا عربيًا لافتًا ‏من الجيل الأول من المهاجرين العرب والمسلمين. غير أن الملاحظة الأكثر إثارة للأسئلة هي أن ‏أبناء هؤلاء المتفوقين نادرًا ما يبلغون المستوى نفسه من التميز الأكاديمي أو العلمي. هذه المفارقة ‏لا تتعلق بالذكاء، ولا تصلح أن تُختزل في تفسيرات أخلاقية أو ثقافوية ساذجة، بل تستدعي قراءة ‏دلالية ونفسية أعمق.‏
انتقاء قاسٍ صنع الاستثناء
إن الجيل الأول من العرب الذين بلغوا قممًا علمية في الغرب لم يكونوا عيّنة عادية من ‏مجتمعاتهم. كانوا نتاج انتقاء تاريخي شديد القسوة على الطريقة الداروينية التي قد تصيب ‏الصواب في هذا المجال: فقر في اغلب الأحيان وإن كانوا اغنياء قراهم الفقيرة، هشاشة سياسية، ‏أنظمة تعليمية محدودة وإن كانت صارمة، وهجرة محفوفة بالمخاطر. من استطاع العبور والنجاح ‏كان استثناءً إحصائيًا قبل أن يكون إنجازًا فرديًا. فهم
• الأكثر تفوقًا وانضباطًا،
• الأعلى تحمّلًا للضغط والمخاطرة،
• الأشد طموحًا واستعدادًا للتضحية.‏
الهجرة العلمية لم تكن خيار رفاه، بل فعل نجاة. لذلك ارتبط التفوق لدى هذا الجيل بدافع ‏وجودي حاد: إمّا النجاح أو السقوط الكامل. وهناك من قرن نجاحه بحياته إي ببقائه على قيد ‏الحياة، وهذا ليس مجازا، إما النجاح أو الموت. قد يبدو ذلك قاسيا وربما نوعا من الغلو، ولكنه ‏حقيقة. وهذا النوع من التفكير قريب مما قد يشعر به من يبيع نفسه للبحر في قارب قد يصل او لا ‏يصل إلى الضفة الأخرى. جلوس البعض فوق الأرائك والمكاتب المريحة قد يغيب عنا النظرة ‏الواقعية للواقع ومغزى الحياة نفسها. النجاح العلمي الكبير غالبًا ما يحتاج إلي:‏
• إحساس حاد بالهشاشة،
• أو دافع وجودي قوي.‏
‏ أما الأبناء، فقد وُلدوا خارج هذا الشرط القاسي.‏
صدق ابن خلدون: حين تختفي الندرة، يتغير السلوك
أبناء النخب العلمية العربية نشؤا في مجتمعات توفر:‏
• تعليمًا جيدًا، وإن كانوا لا يدركونه لانتفاء عنصر المقارنة.‏
• هوية قانونية مستقرة وحماية قانونية
• حدًا أدنى مضمونًا من العيش الكريم.‏
وهذا مكسب إنساني لا جدال فيه، لكنه يُغيّر جذريًا البنية النفسية للدافع. فالتفوق العلمي ‏المتطرف غالبًا ما يحتاج شعورًا بالهشاشة أو ضغطًا وجوديًا مستمرًا. حين تزول الندرة، يتحول ‏الطموح من «النجاة» إلى «البحث عن المعنى». وهنا تكمن المفارقة: ما صنع تفوق الآباء هو ما ‏حرصوا على ألا يعيشه أبناؤهم.‏
استنزاف الهوية بدل تركيز الطاقة
كثير من أبناء المهاجرين العرب يعيشون في منطقة رمادية:‏
• لا هم مندمجون بالكامل في هوية المجتمع المضيف،
• ولا هم منتمون نفسيًا إلى ثقافة الآباء.‏
فهم بين لغتين وثقافتين، وبين صورة أسرية صارمة وصورة مجتمعية مختلفة، وبين توقعات ‏عالية جدًا من الأسرة وواقع اجتماعي أقل احتفاءً بهم.‏
هذا التمزق الهويتين يستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة الذهنية والانفعالية. في حين كان الأب ‏يعرف بوضوح من هو، وماذا يريد، ولماذا يقاتل، يجد الابن نفسه أمام أسئلة وجودية مبكرة تُربك ‏المسار بدل أن تدفعه.‏
من اختراق النظام إلى الاصطدام به
الجيل الأول تعامل مع النظام الغربي بوصفه نظامًا غريبًا يجب فهمه واحترام قواعده ‏واختراقه بذكاء. أما الجيل الثاني فقد وُلد داخل هذا النظام، فاكتشف باكرًا سقوفه الزجاجية وحدوده ‏غير المعلنة. وهنا يتحول التفوق من وعد مفتوح إلى مفاوضة طويلة مع واقع أقل عدلًا مما وُعد ‏به.‏
تفكك سردية النجاح الكلاسيكية
كان للأب سردية واضحة: الدراسة، العمل، الصعود، التمثيل المشرف. أما الابن فيعيش ‏زمنًا تشككت فيه النخب، وتعددت فيه مسارات النجاح، وتراجعت فيه مركزية الجامعة والمختبر ‏بوصفهما الطريق الأوحد للمعنى. كثير من أبناء هؤلاء المتفوقين أذكياء ومبدعون، لكنهم اختاروا ‏مسارات مختلفة: الفن، الإعلام، النقد، الريادة، أو حتى الانسحاب الواعي. ويُقرأ هذا التحول خطأً ‏باعتباره «تراجعًا»، بينما هو في الحقيقة تحول في تعريف التفوق نفسه.‏
السؤال الذي ينبغي طرحه
المشكلة ليست أن أبناء العرب أقل كفاءة، ولا أن المجتمعات المضيفة فشلت في دمجهم ‏بالكامل. المشكلة أعمق: لقد بُني تفوق الجيل الأول على معاناة قصوى لا يمكن —ولا يجب— ‏توريثها. السؤال الحقيقي ليس لماذا لم يشبه الأبناء آباءهم؟ بل كيف نخلق شروط تفوق إنساني ‏مستدام لا يحتاج إلى الكسر والحرمان كي يولد؟ ذلك هو التحدي الثقافي والتربوي الحقيقي، ليس ‏للعرب وحدهم، بل لكل مجتمعات الهجرة في عالم ما بعد اليقين.‏
د. محمد المذكوري
جامعة الأوتونوما- مدريد








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نيكارغوا تتهم ألمانيا بدعم إسرائيل في الحرب على غزة وخرق الق


.. ترمب لفوكس نيوز: الإيرانيون يواصلون القتال بصعوبة وهم في مأز




.. نقاش الساعة - هل ينجح ترمب في احتواء تداعيات إغلاق هرمز؟


.. قواعد اشتباك جديدة بين واشنطن وطهران والملف النووي في الصدار




.. كندا تبدأ تطبيق رسوم جمركية مضادة على واردات أمريكية