الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سوريا.. نسيجٌ لا يقبل التمزيق

ضيا اسكندر
كاتب

2026 / 2 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


في قلب كل حارة دمشقية، وفي بيوت حلب وحمص واللاذقية، وفي الأزقة الضيقة والأسواق والجامعات والمقاهي، يعيش السوريون بأطيافهم المختلفة داخل نسيج اجتماعي متداخل ومعقّد. وجوه متعددة ولهجات متنوّعة، عادات متشابكة وذكريات مشتركة تصنع يوماً بعد يوم حياة واحدة لا تُجزَّأ. يتشارك الناس الأفراح والأتراح، ويتعاملون في الأسواق، ويتزاورون في المناسبات، ويعيشون تفاصيل الحياة الصغيرة قبل الكبيرة.
هذه صورة حيّة لا تحتاج إلى شعارات. الحياة اليومية نفسها تنطق بالحقيقة، وتروي قصة البلاد كما هي، بأصواتها ووجوهها وذاكرتها المشتركة. إنها الحكاية التي تكشف واقعاً مختلفاً تماماً عن خطوط التقسيم التي يعمل عليها أعداؤنا، وتثبت أن سوريا ليست خرائط جامدة، بل حياة متشابكة لا تنفصل.
هل يمكن فعلياً تقسيم سوريا على أسس طائفية أو عرقية؟ الواقع يجيب بالنفي القاطع. فالمكوّنات التي يتخيّلها دعاة التقسيم "كانتونات" منفصلة، تعيش في الواقع مختلطة في كل مكان: في أحياء دمشق القديمة حيث تتجاور كنائس ومساجد عمرها مئات السنين، وفي حلب التي جمعت تجاراً وسكاناً من كل الخلفيات، وفي القرى الساحلية والجنوبية حيث تتعانق الهويات في السوق والمدرسة والمصنع.
هذا التشابك يجعل من فكرة الفصل عملاً عنيفاً يشبه اقتلاع شجرة عمرها قرون من جذورها، أو تمزيق نسيج اجتماعي رُبطت خيوطه عبر عقود من العيش المشترك.
الخطر الحقيقي يتجسّد في الحروب الأهلية التي تُشعل على الأرض. رأينا كيف يُستثمر التحريض لتحويل الجيران إلى أعداء والأحياء إلى خطوط تماس. هذا هو السلاح الذي يُبقي سوريا ضعيفة حتى وهي تبدو موحّدة الشكل.
ولأن الحرب لا تنتج سوى الخراب، فإن الطريق إلى الإنقاذ يمر عبر السياسة. والقرار الدولي 2254 ما يزال الإطار الأكثر واقعية للحل: طريق واضح المعالم؛ مؤتمر حوار وطني لا يستثني أحداً، تنتج عنه حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات، تشرع في كتابة دستور عصري يضمن الحقوق والحريات للجميع، ويؤسس لقوانين عادلة للانتخابات والأحزاب، تنتهي بعد عام ونصف تقريباً بانتخابات حرة نزيهة تختار برلماناً ورئيساً يمثلان إرادة السوريين الحقيقية.
لكن السياسة وحدها لا تكفي. سوريا تُبنى بالاقتصاد الذي يعيد الاعتبار للإنتاج والعدالة، ويحوّل الشباب من وقود للصراعات إلى بُناة للوطن، ويحرّر العائلات من فقر يغذّي اليأس والتطرّف. نحتاج إلى تنمية متوازنة تصل إلى كل المناطق، وفرص عمل حقيقية، وخدمات أساسية تصل إلى كل بيت سوري.
سوريا لا تُقسَّم لأنها، ببساطة، لا تقبل التقسيم. تاريخها وجغرافيتها ومجتمعها يقولون ذلك. لكنها تحتاج اليوم، وأكثر من أي وقت، ليدٍ سورية تمسك بها قبل السقوط في الهاوية.
الإنقاذ يبدأ بوقف التحريض وتسعير الكراهية، وبالتمسك بحلّ سياسي جامع، وبناء دولة مواطنة يتساوى فيها السوريون، ودولة قانون تحمي الضعيف قبل القوي، ودولة اقتصاد تعيد الحياة إلى المدن والقرى.
عندها فقط تتحول الجغرافيا السورية من ساحة صراع إلى وطن يتّسع لأبنائه جميعاً. عندها فقط نستحق أن نكون سوريين حقاً: مختلفين في أصولنا، متحدين في مصيرنا، متشابكين في حاضرنا ومستقبلنا كما كنا دائماً في ماضينا.
سوريا قابلة للإنقاذ لأن شعبها قادر على العيش معاً. وهذا في النهاية هو أعظم رفض لفكرة التقسيم، وأقوى تأكيد على أن الوطن الكبير يبقى حين نقرر جميعاً أن نبقى فيه معاً.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيران: معارضة مشرذمة تفتقد للزعامة؟ • فرانس 24 / FRANCE 24


.. مفاوضات تحت النار.. هل تنجح جنيف في وضع نهاية لحرب روسيا وأو




.. متحدث باسم الحزب الجمهوري: منظومة الحكم الحالية تريد دفع الم


.. الحكومة الإسرائيلية تصدق على مشروع قرار لبدء تسجيل أراض في ا




.. تواصل الغارات الإسرائيلية على مناطق عدة خارج انتشار قوات الا