الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
«ثقافة إبستين»: حين تتحول الفضيحة إلى دستورٍ غير معلن للنخب العالمية
خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي
(Khorshied Nahi Alhussien)
2026 / 2 / 4
مواضيع وابحاث سياسية
لم تعد قضية جيفري إبستين مجرّد ملف جنائي يخصّ شبكة استغلال جنسي، بل تحوّلت — بما كشفته من تشابكات وحصانات وصمت مؤسسي — إلى نموذج معرفي يساعد على فهم كيفية اشتغال السلطة في العالم المعاصر.
ما يمكن تسميته اليوم بـ «ثقافة إبستين» لا يشير إلى شخص بعينه، بل إلى نمط حكم خفي تتجاوز فيه السلطة الحدود والقوانين، وتُدار عبر شبكات نخبويّة تحكمها الازدواجية لا المحاسبة.
من الفضيحة إلى النموذج
تكمن خطورة قضية إبستين لا في فظاعة الجريمة وحدها، بل في حجم الحماية، وامتداد العلاقات، وطول الصمت. هذه العناصر مجتمعة تمنع اختزال القضية في “انحراف فردي”، وتدفع إلى قراءتها كعرض بنيوي داخل نظام قادر على احتواء الصدمة، والتضحية بالأفراد، مع الحفاظ على البنية التي أنتجتهم.
بهذا المعنى، تصبح «ثقافة إبستين» توصيفًا لنمط تُفصل فيه القيم المعلنة عن الممارسات الفعلية، وتُدار فيه السلطة عبر ما لا يُقال أكثر مما يُقال.
نادٍ عابر للقارات: تعدد النخب ووحدة المصير
تتميّز «ثقافة إبستين» بطابعها العابر للحدود. النخبة هنا ليست وطنية بالمعنى التقليدي، بل نخبة وظيفية تتكوّن من:
المال: الذي يؤمّن التمويل والحصانة.
السياسة: التي توفّر الغطاء القانوني والدبلوماسي.
المعرفة والإعلام: اللذين يمنحان الشرعية والتأطير الخطابي.
هذا التشابك ينتج ما يمكن تسميته بـ «مواطنة فائقة»، حيث يصبح الانتماء الحقيقي إلى شبكة المصالح لا إلى الدولة، ما يجعل آليات المحاسبة الوطنية عاجزة أمام نفوذ يتجاوزها.
الازدواجية كآلية حكم
في هذا السياق، لا تُعدّ الازدواجية الأخلاقية خللًا طارئًا، بل شرطًا بنيويًا.
يُرفع خطاب علني عن الأخلاق وحقوق الإنسان والديمقراطية، بينما تُمارَس في الكواليس أفعال تناقض هذا الخطاب تمامًا، دون أن يؤدّي ذلك إلى سقوط النظام، بل إلى إعادة توازنه.
هنا، لا يُلغى القانون نظريًا، بل يُفرَّغ عمليًا عبر الصمت، والتأجيل، واحتواء الفضيحة بدل تفكيك أسبابها.
الفضيحة كأداة احتواء لا قطيعة
تُظهر «ثقافة إبستين» أن الفضيحة في النظام المعاصر ليست بالضرورة لحظة كشف جذري، بل قد تتحول إلى أداة ضبط:
يُقدَّم “كبش فداء” لتفريغ الغضب العام، وتُستهلك القصة إعلاميًا، ثم يُغلق الملف دون المساس بالبنية التي سمحت بحدوثه.
بهذا، تصبح الصدمة نفسها جزءًا من آلية الاستقرار، لا مدخلًا للتغيير.
العرب و«ثقافة إبستين»: بين الضغط والتقليد
يقع العالم العربي في تماس مباشر مع هذه الثقافة من زاويتين خطيرتين:
الضغط القيمي الخارجي
تُستَخدم شعارات كونية — حقوق الإنسان، الشفافية، الأخلاق السياسية — كأدوات ضغط وانتقاء، في حين تكشف «ثقافة إبستين» أن هذه القيم تُعلّق حين تتعارض مع مصالح النخب التي ترفعها.
التبعية النخبوية
الأخطر من الضغط الخارجي هو محاولة بعض النخب المحلية محاكاة هذا النموذج للاندماج في “النادي العالمي”، بما يحوّل السلطة إلى امتياز فوق قانوني، ويعمّق الفجوة بينها وبين مجتمعاتها.
في الحالتين، لا يكون الصراع بين “قيم فاسدة” و“قيم نقية”، بل بين من يملك تعريف القيم ومن يفرض استخدامها.
خاتمة: نحو وعي بنيوي
إن مواجهة «ثقافة إبستين» لا تتمّ بالإدانة الأخلاقية وحدها، بل بفهمها كـ آلية حكم.
فالخطر لا يكمن في الأشخاص الذين يسقطون، بل في النظام القادر على إنتاجهم، وحمايتهم، ثم تجاوزهم دون مراجعة ذاتية.
إن الوعي العربي المطلوب اليوم ليس وعي الضحية ولا وعي التبرير، بل وعي بنيوي يدرك أن كثيرًا مما يُقدَّم كقيم كونية ليس إلا لغة سلطة، وأن التحرر الحقيقي يبدأ من القدرة على التفكيك لا الانبهار.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تأخيرات في حركة قطارات روما بسبب الاشتباه في أعمال تخريبية
.. مراسل الجزيرة: غارة إسرائيلية على مرتفعات جبل الريحان جنوبي
.. تصعيد ميداني بين ورسيا وأوكرانيا يسبق محادثات سلام مرتقبة في
.. البعد الآخر | حشود واشنطن تكتمل قرب إيران.. وتلاحم أميركي أو
.. انتظرونا يوم السبت مع برنامج قابل للجدل على شاشة العربية