الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سبع دقائق لإنهاء حياة إنسان
أحمد رشيد مسَلّم
2026 / 2 / 4القضية الفلسطينية
في قاعة الكنيست الإسراىيلي، في يناير 2026، ارتفعت الأيدي للمصادقة على ما سُمي "قانون محاربة الإرهاب - التعديل الخامس". لم يكن هذا تعديلا قانونياً عادياً، بل تحولا جوهرياً في طبيعة النظام القائم نحو تحويل القتل المنظم من ممارسة ميدانية يومية إلى سياسة دولة مُشرعنة؛ فبموجب هذا القانون، تمنح المحاكم العسكرية صلاحية إصدار أحكام الإعدام شنقاً بحق الفلسطينيين، ليس كاستثناء عابر، بل كقاعدة قانونية ثابتة تشرعن سلب الحق في الحياة.
ويكشف هذا التشريع عن تمييز عنصري فج في تعريفه للجريمة، حيث تُعرِّف المادة 3(ب) "الجريمة الإرهابية" بأنها "الفعل النابع من دوافع قومية تتعلق بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي"، وهو توصيف صُمم خصيصاً لاستهداف الفلسطينيين، بينما يُستثنى منه المستوطنون الذين يرتكبون جرائم مماثلة تحت حماية المنظومة ذاتها. وتؤكد الأرقام هذه الانتقائية القضائية الصارخة؛ إذ وثق تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لعام 2025 (الفقرة 47) أن 99% من قضايا "الإرهاب" تُرفع ضد فلسطينيين، في حين يُحاكم المستوطنون المتهمون بجرائم قتل مماثلة، كما في قضية مقتل الشاب جهاد عفانة في برقة عام 2024، أمام محاكم مدنية نادراً ما تصدر بحقهم عقوبات فعلية، مما يكرس نظام "الأبارتهايد".
وعند النظر في بنية المحاكم العسكرية الإسرائيلية، نجدها تعمل كآلة إدانة لا تخطئ هدفها ولا تمنح فرصة للعدالة؛ إذ تشير بيانات منظمة "يش دين" لعام 2025 إلى أن نسبة الإدانة بلغت 99.74%، في محاكمات صورية لا يتجاوز متوسط مدتها 7 دقائق للقضية الواحدة، وهي مدة لا تكفي حتى لسماع شهادة واحدة، لكنها كافية لإنهاء حياة إنسان. والخطر الأكبر هنا يكمن في إلغاء "السلطة التقديرية للقاضي"؛ فبمجرد إثبات "الدافع القومي" يصبح الإعدام إلزامياً، مما ينسف المادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف التي تحظر الأحكام الصادرة دون ضمانات محاكمة عادلة وكاملة.
أما على صعيد القانون الدولي، فيمثل هذا التشريع اختراقاً لكافة الخطوط الحمراء، بانتهاكه للمادة 6 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وخرقه لمبدأ "الشرعية القانونية" عبر محاولة تطبيق العقوبات بأثر رجعي، وهو ما ينسف المادة 15 من العهد ذاته. وقد كان تحذير مفوض الأمم المتحدة السامي، فولكر تورك، واضماً حين أكد أن تشريع العقوبات التمييزية يقوض النظام القانوني العالمي برمته، ويخلق سابقة خطيرة تسمح للأنظمة الاستبدادية باستنساخ هذا النموذج القمعي تحت غطاء القانون والشرعية الزائفة.
وليس هذا القانون في جوهره سوى تتويج رسمي لمسار تصاعدي من "الإعدام الصامت" الذي يُمارس داخل المعتقلات بعيداً عن الأضواء. فمنذ عام 2023، قضى 32 معتقلا تحت التعذيب في معسكر "سدي تيمان" وحده وفق تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2025، بالإضافة إلى سياسة "القتل البطيء" عبر الإهمال الطبي التي أدت لاستشهاد رموز وطنية وعلمية مثل الأسير وليد دقة والطبيب د. عدنان البرش. إن القانون الجديد يسعى بوضوح لتحويل هذه الجرائم من "موت غامض" أو "نتائج تحقيق" إلى "تنفيذ حكم قضائي" رسمي، في محاولة مكشوفة للالتفاف على تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب.
إن تقنين "الإعدام العرقي" يضع الضمير الإنساني اليوم أمام اختبار وجودي؛ فصمت العالم عن انتهاك الحق في الحياة في فلسطين يعني القبول بتفكيك نظام الحماية الدولي للمدنيين في كل مكان. وكما حذرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانسيسكا ألبانيز، فإن الصمت عن مشنقة في القدس هو صمت عن مشانق ستنصب في كل زاوية من زوايا العالم الذي يغيب عنه العدل. ومع هذا الخطر الداهم، فإنه من غير المعقول أن ننتظر تدخل دول أجنبية أو مؤسسات دولية ونحن نيام في بيوتنا، فالرهان الحقيقي يبدأ من الوعي الشعبي والتحرك الجماعي الرافض لهذا التوحش.
لذا، بات من الملحّ أن تتحرك محكمة العدل الدولية لإصدار رأي استشاري عاجل يبطل شرعية هذا القانون، وأن تسارع المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في "جرائم الفصل العنصري" كجريمة ضد الإنسانية وفق المادة 7 من نظام روما الأساسي. إن التاريخ سيسأل بمرارة: أين كنتم حين شُنقت العدالة في قاعة برلمانية؟ فدماء الضحايا لن تلطخ أيدي الجلادين فحسب، بل ستلاحق كل من رأى المشنقة تُنصب وصمت، ففلسطين اليوم هي خط الدفاع الأخير عن فكرة العدالة البشرية برمتها.
المراجع المعتمدة:
(تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية 2025، بيانات "يش دين" و"بتسيلم"، اتفاقيات جنيف، العهد الدولي للحقوق المدنية، تقارير هيئة شؤون الأسرى 2024-2026، وثائق المحكمة الجنائية الدولية).
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. المغرب : سيول جارفة في تطوان تسفر عن مصرع أربعة أشخاص جلهم أ
.. هل تضحي إيران بنفوذ وكلائها مقابل التهدئة مع أميركا وإسرائيل
.. تصاعد عمليات الهدم بالضفة الغربية ينذر بإشعال فتيل تصعيد ميد
.. مسار الأحداث | بعد ثلاثة أسابيع على إعلانها.. لجنة إدارة غزة
.. عبر الخريطة التفاعلية.. كيف ينعكس تبادل الاتهامات بين إريتري