الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين يتحوّل الاعتراف إلى مختبر تصفية: كردستان الحمراء نموذجًا وروجافا امتدادًا

وَلات أَسَن

2026 / 2 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


خلال الحقبة السوفيتية، شكّلت السياسات المُطبَّقة في جنوب القوقاز، ولا سيّما في منطقة لاچين، إحدى أوائل النماذج المنهجية للهندسة الديموغرافية في التاريخ الكردي الحديث. فالبنية الإدارية التي أُنشئت تحت مسمّى «كردستان الحمراء» قُدِّمت في ظاهرها بوصفها اعترافًا بالوجود الكردي، غير أنّها في جوهرها لم تكن سوى ترتيب مؤقّت وأداتي، صُمّم ليُستخدم ثم يُلغى. ووفقًا للسياسات القومية المركزية التي انتهجها الحكم الستاليني، وبفعل العلاقات الاستراتيجية التي أُقيمت مع إدارة مصطفى كمال، جرى تفكيك هذا الكيان سريعًا؛ وفي سياق إعادة تقاسم النفوذ بين أرمينيا وأذربيجان، تعرّض السكان الكرد لعملية تهجير ممنهجة، أفضت إلى تفريغ المنطقة من وجودها الكردي. وعليه، لم تمثّل لاچين مجالًا للاعتراف بالحقوق، بل تحوّلت إلى مختبرٍ مُحكم لتصفية الوجود الكردي والسيطرة عليه.
ويُلاحظ أنّ المنطق التاريخي ذاته يُعاد إنتاجه اليوم، وإن بصيغ خطابية وأيديولوجية مختلفة، في سياق كردستان سوريا (روجافا). فمنذ عام 2011، أفرزت البنية التي تشكّلت بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) نموذجًا إداريًا لا يستند إلى المطالب القومية الكردية بوصفها مرجعية أساسية، بقدر ما يتكيّف مع توازنات القوى الإقليمية والدولية، ضمن إطار أيديولوجي مُعاد تشكيله. وقد جرى تبرير هذا النموذج من قِبل عبد الله أوجلان والكوادر السياسية التي تتبنّى خطّه، عبر خطاب «مناهضة الدولة القومية» و«الكونفدرالية الديمقراطية»، غير أنّ مآلاته العملية لم تُفضِ إلى تعزيز الوجود القومي والسياسي والديموغرافي للكرد، بل إلى إضعافه وتفكيكه.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى دور (PYD) في روجافا بوصفه فاعلًا يعمل على مأسسة المصالح القومية الكردية وضمان ديمومتها، بل بوصفه بنية وسيطة تُهيّئ الجغرافيا الكردية للاندماج في مشاريع عابرة للقوميات ومتمحورة حول الدولة. إنّ المشهد القائم في روجافا لا يرقى إلى مستوى إنجاز قومي كردي بالمعنى الكلاسيكي، بل يعيد إنتاج نموذجٍ شبيه بما شهدته لاچين سابقًا، حيث جرى الاعتراف بالكرد رمزيًا، في الوقت الذي جُرّدوا فيه فعليًا من الإرادة السياسية المستقلة.
وعليه، فإنّ استمرار حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وكوادره الأيديولوجية–السياسية في إدارة روجافا لا يمثّل نجاحًا في مشروع «الإدارة الذاتية»، بل يُرجَّح أن يُفضي إلى تحويل ما اُعْترف به من قبل دمشق إلى نسخةٍ مُحدَّثة من نموذج «كردستان الحمراء». وبذلك، سيغدو هذا النموذج اعترافًا شكليًا يقابله إفراغٌ فعلي من المضمون السياسي. إنّ تكريس هذا المسار لا ينطوي على أي مكسب استراتيجي للكرد، بل ينذر بكارثة سياسية تاريخية، ويضعهم مجددًا أمام خطر التحوّل إلى «كردستان حمراء» جديدة.
-------------------------------------------------
وَلات أَسَن؛ باحث وناشط سياسي من شمال كردستان








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المغرب : سيول جارفة في تطوان تسفر عن مصرع أربعة أشخاص جلهم أ


.. هل تضحي إيران بنفوذ وكلائها مقابل التهدئة مع أميركا وإسرائيل




.. تصاعد عمليات الهدم بالضفة الغربية ينذر بإشعال فتيل تصعيد ميد


.. مسار الأحداث | بعد ثلاثة أسابيع على إعلانها.. لجنة إدارة غزة




.. عبر الخريطة التفاعلية.. كيف ينعكس تبادل الاتهامات بين إريتري