الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
في وهم الصنمية الاقتصادية!
ادم عربي
كاتب وباحث
2026 / 2 / 4
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
بقلم : د. ادم عربي
في سياق تحليله العميق للنظام الرأسمالي، ولا سيما في عمله الرئيسي "رأس المال"، توقف كارل ماركس , ولو بإيجاز , عند ما سماه "الصنمية السلعية"، كاشفاً منطقها الاقتصادي الزائف، وكاشفا كيف تتحول العلاقات الاجتماعية بين البشر إلى علاقات بين أشياء. وقد وجد ماركس نفسه مدفوعاً للحديث عن هذه الظاهرة بسبب سوء الفهم الشائع، في زمنه، لطبيعة النقود، وبالأخص للذهب بوصفه مادة نقدية.
كان الذهب يُنظر إليه باعتباره مصدراً للقيمة بذاته، وكأن قيمته الاقتصادية أو التبادلية نابعة من خصائصه الطبيعية، لا من العمل الإنساني المتجسّد فيه. فبما أن كمية صغيرة منه تستطيع شراء عدد كبير من السلع، ترسّخ الوهم القائل إن الذهب ثمين لأنه ذهب، لا لأنه نتاج عمل كثيف ومركّز.
وليس من قبيل الصدفة أن يحلم بعض الكيميائيين القدماء بإمكانية تحويل الرصاص إلى ذهب، متخيلين أن نجاح هذه العملية سيمنحهم ثراء لا حد له أو ثراء قاروني. غير أن هذا الحلم سرعان ما ينكشف عن سذاجته أمام سؤال بسيط طرحه أحد الحكماء ساخراً منهم حيث قال :
هل سيظل الذهب محتفظاً بقيمته التبادلية إذا أمكن تحويل كل ، أو معظم ، الرصاص إلى ذهب؟
إن الإجابة عن هذا السؤال وحدها كافية لفضح الوهم في هذه المسألة ، فالقيمة لا تنبع من طبيعة المعدن، بل من ندرته الاجتماعية، أي من مقدار العمل اللازم لإنتاجه.
لقد جُعل الذهب صنما حين اعتُقد أن قيمته كامنة فيه بذاته، لا في العمل المتراكم داخله. والحقيقة أنه لا يختلف جوهرياً عن أي سلعة أخرى، سوى في أنه يحتوي على مقدار أكبر من العمل الاجتماعي. ولو كان إنتاجه يتطلب جهداً أقل، لانخفضت قيمته التبادلية تبعاً لذلك.
ومع خروج الذهب من التداول المباشر، وحلول بدائله في السوق، وعلى رأسها النقد الورقي، لم تتراجع الصنمية الاقتصادية، بل ازدادت تفاقما ، بل أصبحت وثنية اقتصادية، وانتقلت الوثنية من صنم ذهبي إلى صنم ورقي، وهبط مفهوم الاستثمار إلى مستوى الخرافة الصرفة. صار المستثمرون يقيسون ثرواتهم بأكوام من الأوراق، مقتنعين ، أو متوهمين ، أن المال يولّد المال من تلقاء ذاته، دون حاجة إلى إنتاج أو عمل.
ولو سألت مستثمرا عربياً ذكياً عن معنى الاستثمار، لأجابك فوراً بأنه امتلاك كمية من النقود أو الأوراق المالية، تُستخدم لشراء أوراق أخرى حين تكون رخيصة، ثم بيعها حين ترتفع أسعارها، فتتحقق الأرباح من فرق السعر ومن قانون العرض والطلب. ومع تراكم هذه الأرباح الورقية، يتعزز الإيمان بأن الثروة ليست سوى مال يولد مالاً داخل لعبة الأسواق المالية.
بهذا المعنى، يكون المستثمرون قد ارتدوا عن عقيدتهم الاقتصادية الأولى، القائلة إن العمل ، والعمل وحده ، هو مصدر كل ثروة حقيقية. وحلّت محلها عقيدة جديدة أقرب إلى السحر والشعوذة، عبّرت عنها الليبرالية الجديدة" بوصفها دعوة للإيمان بأن الأوراق المالية، لا العمل، هي مصدر الثروة، وأن هذه الأوراق تمتلك قدرة سحرية على التكاثر الذاتي.
لكن من أين جاء هذا الإيمان؟
إنه نتاج مشهد مضلل لا يُرى إلا نصفه. يرى الناس مستثمرا يملك مليون دولار، يدخل السوق، يشتري ويبيع، ثم يخرج منها وقد أصبح يملك مليوناً ونصف المليون. فيبدو لهم أن ثروته قد نمت، وأن المال قد أنجب مالاً .
غير أن النصف الآخر من المشهد غالباً ما يُحجب: هناك مستثمر آخر كان يملك مليون دولار، لكنه خسر في اللعبة نفسها، فخرج منها بنصف مليون فقط. ربح الأول لأنه خسر الثاني، وما كسبه هذا لم يكن سوى المقدار ذاته الذي فقده ذاك.
بهذا المعنى فقط يمكن الحديث عن أرباح داخل الأسواق المالية. فالسوق، في مجموعها وعملياً، لم تربح ولم تخسر. وإذا كانت قيمة السوق ، في مثالنا هذا ، مليوني دولار، فإنها تظل مليوني دولار بعد انتهاء عمليات الشراء والبيع. لم تُخلق ثروة جديدة، بل جرى فقط إعادة توزيع للثروة القائمة.
أما لو استُخدم مليونا دولار في شراء آلات، ومواد أولية، وقوى عمل بشرية، وتم توظيفها في عملية إنتاج حقيقية، فإن الناتج قد يصبح ثلاثة ملايين دولار. هنا فقط تُخلق ثروة جديدة، وهنا فقط يتحول المال إلى أداة لتنمية الثروة الحقيقية للمجتمع.
فالاقتصاد الحقيقي ، أي الاقتصاد المنتج للسلع ، هو المجال الوحيد الذي تتحول فيه الثروة الورقية إلى ثروة مادية نامية. وفيه وحده يُنتج الربح الحقيقي، لأن مصدر هذا الربح هو العمل الحي، المصدر الأوحد لكل ثروة اجتماعية.
المال، بوصفه نقودا ورقية، لا ينتج الثروة، بل يحقق قيم السلع المنتَجة. فالتداول النقدي هو الوسيط الذي تتحقق عبره القيم، لا المصدر الذي يخلقها. وعندما يُوظَّف المال داخل الاقتصاد الحقيقي، ومن خلال العمل البشري، تنمو ثروة المجتمع نمواً فعلياً ومستداما.
وتبلغ الكارثة ذروتها كلما تعمّق الانفصال بين الاقتصاد الورقي والاقتصاد الحقيقي. فكلما حُجبت الثروة النقدية عن مجالات الإنتاج، وضُخّت في أسواق المال والمضاربات، وكلما سيطرت عقلية المقامرة على المستثمرين، تراكمت أسباب الانهيار. عندها لا يخرج المجتمع من أزمة إلا ليدخل في أخرى أشد عنفا منها، إلى أن يصبح خيار "إعادة البناء عبر الهدم" أكثر رجحانا من خيار الإصلاح، الذي لا يعود قادراً ، كما يقول المثل ، على أن يصلح ما أفسده الدهر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
التعليقات
1 - أفكار تصح اليوم بشدة
حميد كوره جي
(
2026 / 2 / 4 - 22:27
)
شكرا صديقي آدم لقد أبدعت في توضيح أحطر مسألة اقتصادية فالمقال صحيح إلى أبعد حد ومثير للقلق. نحن نعيش في عصر -المال الوهمي-، حيث الديون العالمية تفوق حجم الإنتاج الحقيقي بأضعاف مضاعفة. وروح العصر الحالية تتسم بالسرعة والمقامرة (الترند، الكريبتو، الأسهم السريعة)، وهي بالضبط -الوثنية الاقتصادية- التي حذرت منها . إن ما يخشاه الاقتصاديون اليوم هو -إعادة البناء عبر الهدم- الذي ختمت به المقال، تحت مسمى -الانهيار العظيم-، حيث تنفجر الفقاعات المالية لتعيد الجميع قسراً إلى نقطة الصفر: الاقتصاد الحقيقي (الزراعة والصناعة والجهد البدني). مع صعود الذكاء الاصطناعي والأتمتة، يواجه مفهوم -العمل الإنساني- تحدياً وجودياً. الفكر الليبرالي الجديد الذي تنتقده هنا يسعى لتهميش العمالة وتقليل تكلفتها، مما يجعل -رأس المال- يبدو وكأنه المحرك الوحيد للنمو. وإن تجاهل قيمة العمل يؤدي إلى الأزمات الدورية التي ذكرتها. وعندما لا يملك العمال (المنتجون الحقيقيون) القدرة الشرائية، ينهار الاقتصاد مهما تضخمت أرقام البنوك.
ألقاك على خير
2 - رد1 للصديق حميد كوره جي
ادم عربي
(
2026 / 2 / 5 - 06:46
)
شكرًا لك على هذا التعليق العميق، فقد التقطتَ روح المقال . ما نسميه اليوم -المال الوهمي- ليس انحرافا عرضيا، بل تعبير عن مرحلة تاريخية بلغ فيها الانفصال بين القيمة والعمل ذروته. الفقاعات، والكريبتو، والترندات السريعة ليست سوى أعراض لمرض أعمق وهو وهم أن رأس المال قادر على النمو الذاتي بلا جسد اجتماعي يُغذيه.ولعل الأزمات الاقتصادية هي نتيجة حتمية لعزوف المستثمرين عن الاقتصاد الحقيقي وتركهم للدجاجة التي تبيض ذهبا وهم العمال لصالح ربح سريع لا يضيف ولا ينقص من ثروة المجتمع
يتيع...
3 - رد2 للصديق حميد كوره جي
ادم عربي
(
2026 / 2 / 5 - 06:48
)
الذكاء الاصطناعي والأتمتة وغيرها من التكنولوجيا لا تلغي دور العمل الإنساني كما يُشاع، بل يكشف تناقض عميق داخل النظام الرأسمالي نفسه. فالتكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تخلق قيمة من تلقاء ذاتها، لأنها ليست كائن اجتماعي مستقل، بل نتاج عمل بشري سابق؛ عمال صمموا الآلات، ومهندسون برمجوا الأنظمة، ومجتمعات كاملة وفّرت الشروط التاريخية لإنتاجها. الآلة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لا تفعل سوى نقل قيمة متراكمة، ولا تنتج قيمة جديدة إلا حين تدخل ضمن عملية إنتاج اجتماعية قائمة على العمل الحي.
المفارقة أن الرأسمالية تسعى إلى تقليص العمل البشري إلى الحد الأدنى لخفض التكاليف، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى هذا العمل ذاته كي يتحقق الربح. فالعمال ليسوا منتجين فقط، بل هم أيضًا المستهلكون الذين يشترون السلع. وإذا جرى تهميشهم أو إفقارهم، فإن القدرة الشرائية تنهار، وتبقى السلع بلا مشترين، مهما تضخمت الآلات ورؤوس الأموال.
مودتي وتقديري
4 - بحث أكاديمي ام سرد عقائدي
طلال بغدادي
(
2026 / 2 / 5 - 15:50
)
من الممكن جداً أن يكون المعدن نادراً للغاية وفي نفس الوقت لا يتطلب جهداً إنتاجياً كبيراً. هذا التناقض الظاهري يعود إلى الفرق بين الندرة في القشرة الأرضية (الوفرة الطبيعية) و صعوبة أو تكلفة الإنتاج.
المعادن النادرة rear earth غالية الثمن لندرتها رغم ان تكلفة إنتاجها تكاد تكون معدومة. ((نعم تكاد تكمن معدومة )).
من المتوقع ان تبدأ باللف والدوران وإجراء مقارنات لأدخل لها بالموضوع وتقول انت لاتفهم هذا ولاتفهم الفرق ووووو.
كما في مقالتك السابقة (( انخفاض معدل الإنتاج)) حيث فشلت في إثبات صحة ادعائك.
من مواصفات حملة شهادة الدكتوراه انهم يتبعون اسلوب البحث الأكاديمي وليس العقائدي
5 - اهلا بالاستاذ طلال البغدادي
ادم عربي
(
2026 / 2 / 5 - 17:23
)
وهل يا سيدي اكتشفت اكتشافا باهرا
نعم هناك عناصر نادرة وسعرها منخفض ولا تحتاج لجهد هيليوم وكذلك الأمر هناك عناصر نادرة ولا تحتاج إلى جهد وسعرها عال لها علاقة بالصناعة مثل الليثيوم تستعمل في صناعة بطاريات الليثيوم
حتى الذهب على ضفاف الأنهار جهد إنتاجه قليل أما التعدين اقصد تعدين الذهب فجهد إنتاجه عالي جدا لانه يحتاج لطحن صخور ومواد كيميائية مضافة إلى ندرته
6 - لف و دور يا استاذ ادم
طلال بغدادي
(
2026 / 2 / 5 - 19:41
)
ترسّخ الوهم القائل إن الذهب ثمين لأنه ذهب، لا لأنه نتاج عمل كثيف ومركّز.
لقد جُعل الذهب صنما حين اعتُقد أن قيمته كامنة فيه بذاته، لا في العمل المتراكم داخله. والحقيقة أنه لا يختلف جوهرياً عن أي سلعة أخرى، سوى في أنه يحتوي على مقدار أكبر من العمل الاجتماعي. ولو كان إنتاجه يتطلب جهداً أقل، لانخفضت قيمته التبادلية تبعاً لذلك.
من المتوقع ان تبدأ باللف والدوران وإجراء مقارنات لأدخل لها بالموضوع وتقول انت لاتفهم هذا ولاتفهم الفرق ووووو.
7 - طلال البغدادي
عبد الرضا حمد جاسم
(
2026 / 2 / 5 - 20:46
)
قولك دقيق و يجب ان يُعتمد من الجميع فهو الصح و غيره مهما كان مصدره خطأ
.. اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين بعد انتهاء مسيرة احتجاج ضد -ال
.. ده فاكرين الرسول هو النبي.. والفقراء هم المساكين.. يا بيه لأ
.. البرتغال تتجه لجولة حاسمة في الانتخابات الرئاسية بين مرشح اش
.. شرطة إيطاليا تطلق الغاز المسيل للدموع في صدام متظاهرين قرب م
.. تشييع جنازة الفقيد الرفيق الحسين لهناوي عضو المكتب السياسي ل