الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سوريا، عقلية أقلوية في جسد أكثري
راتب شعبو
2026 / 2 / 5مواضيع وابحاث سياسية
التغلب بالقوة (الانقلاب) كان الطريق التقليدي إلى السلطة في معظم تاريخ سورية، لذلك لا تعطي السلطة عندنا كبير أهمية أو قيمة لرأي الناس ومشاعرهم، ففي ذاكرتها ويقينها أن القوة فقط هي ما ينفع، وهي العمود الفقري الفعلي ويبقى ما سوى ذلك مجرد ديكور. والنتيجة أن حكم القوة سمة أصلية في السلطة في بلدنا، وقد اعتادت السلطات عندنا أن الجمهور صار، بتأثير دهور من الاستبداد السياسي، يحترم القوي وربما يحبه، لمجرد كونه قوياً وقادراً على فرض نفسه على الآخرين، فتضمن السلطة بقوتها، أي باستبدادها، قبول واسع يبدو مستقلاً إلى حد كبير عن الطبيعة السياسة والتوجهات السياسية لأصحاب السلطة.
ومن يحكم بالقوة، من الطبيعي أن يعمل على إضعاف الخصم (المجتمع) عبر تفكيكه ونشر بذور التفرقة فيه. والواقع أن السلطة في بلدنا عملت دائماً على تحريض انقسام المجتمع عبر المعاملة التمييزية بحسب خطوط الانقسام المتوفرة (عشائرية، عرقية، دينية، طائفية، مذهبية ... الخ). وحين تكون سلطة الدولة محل ومصدر تمييز بين فئات المجتمع، تبدأ خطوط الانقسام الموجودة في المجتمع بالتسيس، ويبدأ فيروس الانقسام يفتك بالمجتمع. مصدر هذا الداء إذن هو أساساً السلطة السياسية وليس المجتمع. ليست المشكلة في وجود أديان وطوائف وأعراق ... الخ، فهذا موجود في كل المجتمعات، بل في أن السلطة السياسية تخون عمومية الدولة وتفتح الباب لتعامل تمييزي على أساس هذه الانتماءات. وهي تفعل ذلك لأنها أولاً تريد إضعاف المجتمع وضرب وحدته، وثانياً لأنها تريد أن تستمد قوة من الاستثمار في العصبيات العضوية المتوفرة حسب مقتضى الحال.
حين تكون الدولة محل للتمييز، وحين يبدو من الممكن لجهات معينة "حيازة" الدولة، التي هي في الأساس ملكية عامة، فسوف يتصارع أبناء الانتماءات المختلفة على حيازة الدولة أو على كسب الحصة الأكبر منها، على حساب غيرهم من الانتماءات. ولكن حين تثبت الدولة أنها "عمومية" وأن علاقتها بمحكوميها تمر عبر المؤسسات العامة والقانون الناظم للجميع، سوف تتراجع الشهية الأنانية لدى الانتماءات لصالح تحسين العلاقة العامة بين كل الفئات من كل الانتماءات (المجتمع) وبين السلطة، وهذا هو ما يولد آلية "الاندماج المجتمعي الوطني" المفتقدة في بلدنا.
السلطة التي تعتمد القوة مستندة إلى عصبية فئوية ما، تغذي لدى مختلف الجماعات الشعور بالذات، عبر سياسات تمييزية، وهكذا يبدو المجتمع مريضاً بالتفكك، وتظهر السلطة على أنها صمام أمان مجتمع ممسوك بقوة السلطة، وسوف يتفكك بدونها. سبيل السلطة عندنا للاستمرار يكون عبر حقن المجتمع بأسباب التفكك بحيث يغدو بقاء السلطة هو الضمانة لسلامة المجتمع من الاقتتال والانهيار، وعلى هذا تبدو السلطة الخيار الوحيد المتاح الذي لا بديل له. هكذا يغدو تفكك المجتمع ضرورياً لتماسك السلطة. بطبيعة الحال، السياسات التمييزية التي تمارسها السلطات تدفع الجماعات إلى استشعار تمايزها الهوياتي بصورة متزايدة، ما يجعل تفكك المجتمع حقيقة تكشف عن نفسها ما أن تنهار سلطة الدولة.
الوجه الآخر لفشل الدولة في تحقيق الاندماج الوطني، هو تحول جهاز الدولة إلى وسيلة في صراع خفي بين الجماعات التي تسيست وتصلبت حدودها الذاتية، صراع على السلطة والموارد والاعتراف والامتيازات. بدأ هذا الميل يتبلور أكثر فأكثر في سوريا بعد 1970. من قبل، كانت الصراعات تجري ضمن جهاز الدولة وتحسم بالانقلابات العسكرية من داخل جهاز الدولة نفسه. بعد ذلك، واظبت طغمة الأسد على تطهير جهاز الدولة من "الخصوم" الصريحين أو المحتملين، ولاسيما في أجهزة الأمن والجيش، وتحولت الدولة إلى كتلة ولاء متجانسة إلى حد بعيد.
هكذا قلت احتمالات صراعات القصر، واحتمالات حسم الصراعات بانتصار فريق على آخر من داخل الدولة. غابت الانقلابات العسكرية، وباتت سبيل منازعة الحكم من خارج الدولة هو السبيل الوحيد الباقي للتغيير. هذا هو الإطار العام الذي يمكن بواسطته فهم مجريات محطتي الصراع البارزتين في سوريا بعد "الحركة التصحيحية"، حركة الطليعة المقاتلة ثم الإخوان المسلمين بين 1976 و1982، والثورة السورية في مطلع 2011، وصولاً إلى سقوط النظام وانهيار الدولة السورية.
مع السلطة الحالية يمكن الإشارة إلى أمرين جديدين. أولاً، أنها السلطة الوحيدة التي قلبت نظام الحكم من خارج جهاز الدولة، بل جاءت في الواقع على أنقاض جهاز الدولة المنهار. وكان يمكن لهذا أن يشكل نقطة انطلاق لبناء وطني متين لا يعطله ثقل جهاز الدولة القديم، غير أن جماعة الحكم الجديد سرعان ما أضاعوا هذه الفرصة، التي لم تكن في بالهم على أي حال، نظراً إلى تكوينهم الثقافي والسياسي غير المتوائم مع فكرة الدولة الوطنية التي هي سمة عصرنا. ثانياً أنها أول سلطة مكونة من جماعة حكم سنية خالصة بعد عقود من حكم جرى اختزاله وتعريفه على أنه حكم علوي، وقد أعطى نظام الأسد خلال حكمه الطويل نموذجاً دراسياً عن كيفية التمييز الطائفي عبر جهاز الدولة، ودور ذلك في تعزيز الحكم. هذا التاريخ صار جزءاً فاعلاً في ذاكرة السوريين ووعيهم السياسي، ولاسيما عقب عنف الدولة الأسدية المنفلت والتمييزي بعد 2011.
ما تعرضه السلطة الجديدة في دمشق اليوم هو أنها تمارس عقلية التمييز الأسدية ذاتها ولكن في الوسط السني هذه المرة. أي إنها تقرأ في كتاب الأسد وتنقل العقلية الأقلوية في الحكم إلى الجسد الأكثري. الترجمة شبه المعلنة لهذا هو إدراك السلطة لذاتها، وإدراك جمهورها أيضاً، أنها سلطة الأغلبية السنية التي تأخذ في الحسبان وجود "أقليات" يُنتظر منها التسليم بأنها درجة أدنى، ويكون أمانها ثمناً لتسليمها بدنو مرتبتها في الدولة، وإن كان هذا يمر تحت ستار من كلام عام عن المساواة. دون أن يخلو الأمر، مع ذلك، من كلام يصرح باللامساوة تسمعه هنا وهناك، وعلى لسان مسؤولين في السلطة. هذا يدل تلقائياً على غياب مقلق لمفهوم الشعب ولآلية الاندماج الوطني.
يشكل هذا التوجه العام من جانب سلطة دمشق، تهديداً ليس فقط لوحدة سوريا وتماسكها واستقرارها، بل وأيضاً لاستقرار السلطة نفسها، ذلك أنه من المتعذر تحويل الأكثرية السنية إلى طائفة ذات عصبية تخدم "تأبيد" السلطة، كما تطمح سلطة هيئة تحرير الشام، على غرار ما فعلت سلطة الأسد من قبل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تأخيرات في حركة قطارات روما بسبب الاشتباه في أعمال تخريبية
.. مراسل الجزيرة: غارة إسرائيلية على مرتفعات جبل الريحان جنوبي
.. تصعيد ميداني بين ورسيا وأوكرانيا يسبق محادثات سلام مرتقبة في
.. البعد الآخر | حشود واشنطن تكتمل قرب إيران.. وتلاحم أميركي أو
.. انتظرونا يوم السبت مع برنامج قابل للجدل على شاشة العربية