الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
جزيرة إبستين: حين تُفرغ الرغبة من معناها وتستدعي الوحشية
عماد السامرائي
2026 / 2 / 7الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
نبتعد قليلاً … وسوف لن نتعامل مع جزيرة إبستين على أنها حادثة إجراميه فقط،بل نتعامل معها كعرضٍ كاشف لبنيتها النفسية-الاجتماعية الاعمق.فهي إذن بالضرورة ليست مجرد جريمه، وعليه فهي لم تعد مجرد فضيحة أخلاقية عابرة في سجل النخب العالمية بل هي علامة كشفت المنطق الأعمق الذي يحكم علاقات الإنسان المعاصر بالرغبة، اللذة والسلطة،وكشفت كذلك ان هذا الأمر لا يخص فقط أفراداً منحرفين بقدر ما يفضح ذلك المسار النفسي-الاجتماعي الذي يبداً بالمتعه وينتهي بالوحشية. وكل ما تم وصفه من اللذة إلى التبلد قد يلتقي مباشرةً في فكرة التعوّد (Hedonic Adaptation ) في علم النفس، ومع إطروحات فرويد وجاك لاكان،
فالمتعه لا تتراكم بل تتبخر مع التكرار وكذلك الرغبة هي الأخرى حين تُشبع فهي لا تموت بل تفقد حدتها وبالنتيجة فإن كل إشباع كامل يحمل في داخله بذرة ملله.
نقطة التحول إذن تبدأ من إشباع الرغبة إلى تبلّد الإحساس، بمعنى آخر ان هناك توتر دائم بين النقص والإشباع داخل طبيعة النفس البشرية والتي تتحرك وفقا لذلك الرغبة، وهذا ما عملت عليه الحداثة المتأخرة التي بدورها وفرت إمكانيات شبه مطلقه لكي تستطيع افراغ هذا التوتر من معناه فحين يصبح كل شيء متاحاً هنا تفتقد الأشياء قدرتها على الإغواء، والأمثلة على ذلك كثيره حيث نجد ان الطعام الفاخر يصبح عادياً، فالجسد يفقد فرادته هنا والبذخ يتحول إلى روتين ممل وهنا لاتموت الرغبة بقدر ما تستطيع ان تتحول إلى طلب للمزيد من المتعة باعلى مستوى من الاثاره وهذا ما يسمى في علم النفس ب "التعوّد"، ومن جهةٍ أخرى حيث تذهب الفلسفة إلى ابعد من ذلك لتصفها أنها لحظات فراغ المعنى أي عندما تفشل اللذة في اداء وظيفتها الرمزية فتستدعي هنا العنف كبديل لذلك.
كذلك ايضاً فإن فضيحة إبستين أذن من الخطاً اعتبارها قضية تتعلق بالجنس فقط لسبب بسيط هو أن الأدوات أو عناصر الجريمة ان صح التعبير تعتبر جزأً لا يستهان به من الأدلة الدامغة، فبالسلطة المطلقه والعلاقات التي بلا محاسبه والمال الذي بلا حدود الذي تدار من خلاله الأجساد كموارد تفقد السلطة هنا معناها الأخلاقي حيث نرى ان العزلة الجغرافية باتت عزلاً اخلاقياً،عندما احتوت النخبه لغرض الاستمتاع بشعور الاستثناء المفرط ليتم ذلك تحت مظلة السرية التي تعلق وتعطل جميع قوانين السماء والأرض وبالنهايه فان هذا المزيج يسمح بالعودة إلى ما قبل الحضارة لغريزةٍ بلا كوابح ورغبةٍ بلا ( لغة).
لابد هنا ايضاً من الإشارة إلى وسائل الإعلام التي لعبت دوراً متأرجحاً وخطيراً مابين الفضح والتطبيع، حيث استطاعت ان تكشف شبكات السلطة والفساد فاضحةً اياهم الواحد تلو الآخر ، ثم تذهب بعد ذلك لأسلوب التطبيع عندما حولت حجم البشاعة والرعب إلى قصة سردية بفضائح اخبارية متسلسلة ففقدت هنا… الصدمة حدّتها فتحولت الجريمة إلى قصه وأبطالها من الضحايا يُمحون من خلف التفاصيل، فالمفارقة هنا حيث نجد المجتمع يدين الوحشية … لكنه يستهلكها بنهمٍ وشراهة.
ملخص القول … أن جزيرة إبستين ليست انحرافًا عن النظام، بل نتيجة منطقية له حين تُفصل الرغبة عن المعنى، وتُمنح السلطة بلا مساءلة، وتُختزل اللذة إلى استهلاك.
إنها تذكير قاسٍ بأن الإنسان، حين يربح كل شيء، قد يخسر أهم ما لديه:
القدرة على الإحساس، والاعتراف بالآخر، والحد الذي يحميه من التحول إلى وحش.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أميركا تحاصر أذرع إيران في العراق.. هل بدأت معركة نزع سلاح ا
.. أبعاد المواجهة بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين في السا
.. وسائل إعلام عراقية: إغلاق منفذ الشلامجة الحدودي مع إيران
.. رصد تحركات بموقع جبل الفأس الإيراني وواشنطن تلوح باستهدافه
.. وزير الخارجية العراقي يبحث هاتفيا مع نظيره السعودي الأوضاع ب