الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياسي
سهام يوسف علي
2026 / 2 / 7العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
حين قالت السيدة النائب ، زهراء الساعدي حرفيًا: «كلام السيد هادي العامري مقدس»، لم تكن مجرد زلة لسان، بل إعلان صريح عن طريقة تفكيرها في الخطاب السياسي. المسألة لا تتعلق بعبارة عابرة أو حماس لحظة، بل بشيء أعمق وأخطر: الطريقة التي يُعاد بها تعريف السياسة في الوعي العام، بعيدًا عن العقل والمساءلة.
زهراء الساعدي لم تتحدث في مجلس خاص، ولم تكتب منشورًا عاطفيًا، بل أدلت بتصريح علني بصفتها ممثلة للشعب. وهنا تصبح الكلمات محسوبة، لأن اللغة في السياسة ليست بريئة. فمفهوم «المقدس» ليس مجازًا واسع الاستخدام، بل مصطلح ثقيل، له جذور دينية واضحة، ارتبط تاريخيًا بنصوص الوحي لا بخطاب البشر، مهما كانت مواقعهم أو أدوارهم.
الإشكال الحقيقي لا يكمن في نوايا النائبة، بل في الرسالة التي يصل صداها إلى المجتمع: رسالة تقول، بشكل غير مباشر، إن بعض الخطابات السياسية لم تعد قابلة للنقاش، وأن أسماءً بعينها يجب التعامل معها بحذر يشبه التحريم. هنا تبدأ السياسة بالانزلاق من مجال الرأي إلى مجال الإيمان، ومن مساحة النقد إلى منطقة المحظور.
وحين يُمنح الكلام السياسي صفة “القداسة”، يفرض سؤال نفسه بقوة: إذا كان هذا مقدسًا، فأين نقف بالمقدسات الأخرى؟ ماذا يبقى لمعنى القداسة الدينية نفسها، إذا أصبحت تُوزَّع على الخطب والمواقف والتحالفات؟ .
ولو أخذنا كلام السيدة زهراء الساعدي حرفيًا، فإن النتيجة المنطقية المدهشة ستكون أن كل سياسي سيصبح “مقدسًا” بمجرد أن يُنسب إليه كلام يُعجب به أنصاره. فكرة كهذه تفرغ مصطلح القداسة من معناها، وتحول السياسة إلى مجموعة من الرموز الجامدة، كل واحد منها فوق النقاش، وكل واحد يُعامل كما لو أنه عصمة، حتى لو اختلفت مواقفه وأخطاؤه. وفقًا لهذا المنطق، إذا أصبح كلام أي سياسي مقدسًا، فالمسألة لن تتوقف عند شخصية معينة ، بل سيتحول البرلمان كله إلى مجموعة من الأوصياء على المقدسات السياسية. وهكذا يُصبح التقديس عادة يومية، والمساءلة فكرة غريبة، والاختلاف خيانة.
في مثل هذا المناخ، لا يعود الاختلاف اختلافًا مشروعًا، بل يُفهم كتشكيك، ولا يعود النقد ممارسة صحية، بل يُقرأ كخروج عن الصف. وهكذا، بهدوء، يتغير ميزان القيم: يُنزَع العقل من موقعه الطبيعي، ويُستبدل بولاء أعمى لا يقبل السؤال.
وفي أي نظام يُفترض أنه ديمقراطي، السياسي ليس فوق الخطأ، ولا فوق المحاسبة. يُصيب أحيانًا ويُخطئ كثيرًا، ويُقيَّم بقراراته لا بهالته. وعندما تدخل لغة التقديس إلى الخطاب النيابي، فنحن لا نواجه زلة لسان، بل تراجعًا خطيرًا في الثقافة السياسية، حيث يصبح القائد رمزًا، والرمز خطًا أحمر، والخط الأحمر نهاية النقاش.
واللافت أن هذا النوع من الغلو، إن كان صادقًا في نيّته، يُفترض ألّا يرضي حتى الشخص الذي يُنسب إليه. فالقائد السياسي، أيًّا كان موقعه، لا يستفيد من تحويل كلامه إلى “مقدس”، لأن ذلك يضعه في موضع لا يُحسد عليه: موضع من يُصادَر عنه النقد، ويُحاط بهالة تمنع حتى أنصاره من مساءلته. التاريخ السياسي، والديني على حد سواء، يُظهر أن التقديس لا يحمي القادة، بل يعزلهم عن الواقع، ويحوّلهم من فاعلين إلى رموز جامدة، تُدافع عنها الحاشية أكثر مما يخدمها أصحابها.
الأخطر من التصريح نفسه هو ما يترتب عليه: كيف يمكن محاسبة سلطة يُقال إن كلامها مقدس؟ وما هو دور البرلمان إذا كان بعض أعضائه يعلنون، صراحة أو ضمنًا، تعطيل عقولهم السياسية أمام شخصيات محددة؟
المسألة لا تحتاج إلى اعتذار إعلامي بقدر ما تحتاج إلى مراجعة عميقة لفكرة السلطة ذاتها. فالسلطة وظيفة عامة، لا مقام روحي؛ والسياسي خادم للمصلحة العامة، لا شخصية فوق النقد. والكلمات، حين تصدر من نائب، تصنع وعيًا أو تُفسده.
أن النقد السياسي والمساءلة العامة لا يجب أن يُختلطا بالقداسة، وأن تبقى السياسة مجالًا للعقل والحوار المنطقي بعيدًا عن أي غلو أو تقديس بشري.
.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لبنان بقصة - المسيحيون المشرقيون
.. بايعتُ بن لادن… ثم تجسّستُ عليه | اعترافات أيمن دين | #السؤا
.. حزب عربي يهودي يبحث عن مقعد في الكنيست | في عمق الخبر
.. الشباب الإيراني يدعو للثأر والانتقام من قتلة المرشد الأعلى ا
.. من لبنان إلى الفاتيكان... الدكتورة جويل مبارك تروي تجربة أكا