الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
التحولات المناخية القصوى وتأثيرها على الدينامية الفيضية في أحواض اللوكوس وسبو
الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي
(Echahby Ahmed)
2026 / 2 / 9
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
تتجلّى الطبيعة في أقصى صورها جموحًا حين تقرّر استعادة مساراتها القديمة، وكأنها تمسح بيدٍ مائيةٍ عارمة كل الخطوط التي رسمها الإنسان على الأرض. وهذا بالضبط ما عاشه المغرب في مطلع عام 2026؛ إذ لم تكن الفيضانات التي اجتاحت الشمال والغرب مجرّد نوبة طقس عابرة، ولا حادثًا من حوادث الشتاء المتكررة، بل كانت إعلانًا صريحًا عن دخول البلاد مرحلة مناخية جديدة، أكثر قسوة، أقل قابلية للتوقّع، وأشدّ اختبارًا لقدرة الإنسان على التكيّف. ما جرى في القصر الكبير، والقنيطرة، وسيدي قاسم، تجاوز حدود الكارثة الطبيعية ليغدو درسًا مفتوحًا في الجغرافيا والهيدرولوجيا والمناخ، درسًا كُتب بالماء والطين والخوف.
في تلك الأيام، بدا المشهد وكأن الأنهار استعادت ذاكرتها القديمة. فـاللوكوس وسبو، اللذان طالما نظرت إليهما الساكنة كرمزين للخصب والحياة، تحوّلا في لحظة إلى قوى جارفة لا تعترف بالخرائط الحديثة ولا بالحدود العمرانية. المياه لم تكتفِ بالجريان داخل مجاريها، بل خرجت منها كما لو أنها تحتجّ على سنوات من التضييق، وردم السهول الفيضية، وتطويق الضفاف بالإسمنت. هكذا تحوّلت الشوارع إلى قنوات، والحقول إلى بحيرات مؤقتة، والقرى إلى جزر معزولة وسط فضاء مائي متحرّك.
لفهم ما حدث، لا بد من العودة إلى نقطة البداية: السماء. فالهطولات المطرية التي سبقت الفيضانات لم تكن غزيرة فحسب، بل كانت مكثّفة زمنياً بشكل غير معتاد. كميات كبيرة من المطر سقطت في فترات قصيرة، وهو ما يُعرف علميًا بـ”الأمطار الشديدة الكثافة”. هذا النمط من التساقطات يضع ضغطًا هائلًا على أي نظام طبيعي أو بشري، لأن الزمن المتاح لامتصاص المياه أو تصريفها يكون محدودًا للغاية. التربة، التي تحتاج إلى وقت لتتشرب الماء، لم تُمنح هذه الفرصة.
هنا يبرز عامل آخر لا يقل أهمية: إرث الجفاف. فالمغرب عاش سنوات متتالية من شحّ الأمطار، ما جعل التربة في مناطق واسعة تفقد جزءًا من بنيتها الإسفنجية الطبيعية. حين تجف التربة بشدة، تتصلّب طبقاتها السطحية، وتصبح أقل قدرة على امتصاص الماء بسرعة. وبدل أن تتسرّب الأمطار إلى الأعماق لتغذّي الفرشات المائية، تنزلق على السطح في شكل جريان سريع، يتجمّع في المنخفضات ويصبّ بقوة في الأودية والأنهار. هكذا تتحوّل النعمة المنتظرة – المطر – إلى طوفان مفاجئ.
ومع تسارع الجريان السطحي، بدأت الأنهار تستقبل كميات من المياه تفوق طاقتها الاستيعابية. في حوض اللوكوس كما في حوض سبو، ارتفعت المناسيب بسرعة، وبدأت الضفاف تفقد قدرتها على الاحتواء. هذه الأنهار ليست مجرد مجارٍ مائية ضيقة، بل هي أنظمة بيئية واسعة، لها سهول فيضية صُمّمت طبيعيًا لتُغمر بالمياه في فترات الذروة. غير أن جزءًا مهمًا من هذه السهول تحوّل عبر العقود إلى أحياء سكنية وأراضٍ زراعية وبنى تحتية. وعندما عادت المياه إلى فضائها الطبيعي، وجدت نفسها تصطدم بعمران بشري لم يُبنَ على ذاكرة النهر، بل على افتراض هدوئه الدائم.
وسط هذا المشهد، برز دور السدود كعنصر معقّد ومفارق في آن واحد. فالسدود شُيّدت أصلًا لضبط تدفّق المياه، وتخزينها لمواجهة فترات الجفاف، وحماية المناطق السفلى من الفيضانات المتوسطة. لكنها ليست قادرة على إلغاء منطق الطبيعة بالكامل. حين تمتلئ السدود إلى أقصى طاقتها، يتحوّل الهدف من التخزين إلى الحماية الهيكلية: أي حماية جسم السد نفسه من ضغط قد يهدد سلامته. وهنا يصبح تصريف المياه إجراءً تقنيًا لا مفر منه.
غير أن هذا التصريف، وإن كان ضرورة هندسية، يضاعف منسوب المياه في الأنهار أسفل السدود. وهكذا نجد أنفسنا أمام معادلة مؤلمة: حماية بنية تحتية استراتيجية قد تعني زيادة المخاطر على مناطق مأهولة. هذه المفارقة لا تعني فشل السدود بقدر ما تكشف حدود أي حل هندسي حين يواجه ظواهر مناخية تتجاوز الفرضيات التي بُني عليها. فمعايير التصميم القديمة لم تكن تتوقع هذا النوع من “الأمطار القنبلة” التي تفرغ حمولتها في زمن قياسي.
على مستوى أعمق، ما حدث هو تجلٍّ واضح لما يسميه العلماء “التطرف المناخي”. لم يعد التغير المناخي يعني فقط ارتفاعًا بطيئًا في درجات الحرارة، بل أصبح يعني أيضًا اضطرابًا في إيقاع الفصول، وتزايدًا في شدة الظواهر القصوى. سنوات جفاف طويلة تُتبع بأمطار عنيفة، وفترات برد معتدلة تُقطع بموجات حر غير مسبوقة. هذا التأرجح الحاد بين النقيضين يربك الأنظمة الطبيعية والبشرية على حد سواء، لأنه لا يترك وقتًا كافيًا للتكيّف التدريجي.
في سيدي قاسم ومنطقة الغرب، تجلّى هذا الاضطراب في حصار “الدواوير” وقطع المسالك الطرقية. قرى بأكملها وجدت نفسها فجأة محاطة بالمياه، لا لخطأ محلي فحسب، بل نتيجة تفاعل واسع بين مناخ عالمي متحوّل، وجغرافيا محلية هشّة، وتخطيط عمراني لم يضع دائمًا أسوأ السيناريوهات في الحسبان. الخسائر لم تكن آنية فقط، بل امتدت إلى الحقول، حيث غمرت المياه محاصيل موسمية، وجرفت التربة السطحية الخصبة، وخلّفت آثارًا اقتصادية ستظل محسوسة لسنوات.
هذه الفيضانات لم تكشف هشاشة البنية المادية وحدها، بل عرّت أيضًا محدودية النماذج التقليدية في إدارة المخاطر. الاعتماد شبه الكلي على السدود، مع إهمال حلول مكمّلة مثل حماية السهول الفيضية، وإعادة تأهيل المجاري الطبيعية، وتوسيع المساحات الخضراء القادرة على امتصاص المياه، لم يعد كافيًا. المدن الحديثة، بطبقاتها الإسفلتية والإسمنتية، تعمل أحيانًا كمسطحات طاردة للماء، تدفعه بسرعة نحو النقاط المنخفضة بدل أن تمنحه فرصة للتسرّب والتهدئة.
المشهد الإنساني كان الوجه الأكثر إيلامًا لهذه الصورة المعقّدة. أسر أُجليت على عجل، مدارس أُغلقت، فلاحون راقبوا مياهًا عكرة تغمر تعب مواسم كاملة. في تلك اللحظات، لم يكن الحديث عن “مناخ” و”هيدرولوجيا” مجرد مفاهيم علمية، بل واقعًا يوميًا يلامس الخوف والقلق وفقدان الأمان. وهنا يتضح أن التغير المناخي ليس قضية بيئية معزولة، بل مسألة اجتماعية واقتصادية وإنسانية بامتياز.
إن فيضانات مغرب 2026 ستبقى علامة فارقة في الذاكرة الجماعية، لأنها كشفت بوضوح أن قواعد اللعبة تغيّرت. لم يعد ممكنًا التعامل مع الفيضانات كحوادث استثنائية نادرة، بل كجزء من واقع مناخي جديد يتطلب استعدادًا دائمًا. المواجهة لا يمكن أن تقتصر على إصلاح ما تهدّم بعد كل كارثة، بل يجب أن تبدأ قبل ذلك بكثير: في التخطيط، في القوانين، في طريقة بناء المدن، وفي إعادة الاعتبار للمجاري المائية ومساحاتها الطبيعية.
المستقبل يفرض رؤية شاملة تعترف بأن الإنسان ليس خصمًا للطبيعة ولا سيدًا مطلقًا عليها، بل جزء من نظام أعقد منه. حماية الإنسان تبدأ من فهم هذا النظام واحترام حدوده. فحين نمنح الأنهار فضاءها، ونبني مدنًا أكثر مرونة، ونُدخل البعد المناخي في صلب السياسات لا في هوامشها، نكون قد بدأنا فعلًا في التكيّف مع زمن جديد. زمنٍ لم تعد فيه الطبيعة تتسامح مع النسيان، ولا مع الاستهانة بذاكرتها الطويلة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قضية وفاة مغربي في إيطاليا.. جدل وتحقيقات واحتجاجات | مسائي
.. السلاح الكيماوي يشعل مواجهة جديدة بين أميركا وحكومة بورتسودا
.. نافذة من أمريكا | هل تنقذ الرسائل التهديدية ترمب من فخ الاست
.. نشرة إخبارية | مجموعة تنشق عن الدعم السريع وتنضم للجيش السود
.. ساعة حوار | ما أهداف حماس من اختيار خليل الحية لقيادتها؟