الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التفاعل مع السياسة في العراق: حين يصبح اللامعقول موقفًا عامًا

محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي

(Mohammed Sajit Katia)

2026 / 2 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


لم يعد المشهد السياسي في العراق مشهدًا يستحق التفاعل الجاد، لا بسبب تعقيده فحسب، بل بسبب تفاهته البنيوية. تفاهة في الشخوص، وفي الأحداث، وفي طريقة إدارتها للرأي العام. لذلك، قد تبدو السخرية واللامبالاة – على قسوتهما – من أكثر أدوات المواجهة عقلانية في بلد تُدار فيه السياسة خارج المنطق، ويُطلب من الناس أن يصفقوا للعبث بوصفه واقعية.
غير أن المفارقة المؤلمة لا تكمن في سلوك الطبقة السياسية وحدها، بل في طبيعة تفاعل المجتمع معها، وخصوصًا فئة الشباب المتعلّم، التي يُفترض أن تكون خزان الوعي والنقد. فبدل أن نشهد قراءة عقلانية للأحداث، نرى في كثير من الأحيان انجرافًا خلف تفسيرات انفعالية، أو طائفية، أو تبريرية، تبتعد عن الواقع بقدر ما تبتعد عن المنطق.
الحدث السياسي الأخير، المتعلق برفض الولايات المتحدة – أو ما سُمّي بالفيتو الأمريكي – لترشيح نوري المالكي، قدّم نموذجًا فاضحًا لهذا الخلل في الفهم. إذ تحوّل الحدث عند البعض إلى مادة للتهليل، وعند آخرين إلى دليل “براءة”، وعند فريق ثالث إلى إنكار كامل لتدخلات خارجية أخرى –التدخل الايراني مثلا–، وكأن السياسة العراقية تُدار في فضاء سيادي نقي.
والحقيقة أن التدخل الأمريكي في الشأن العراقي، مهما كان فاضحًا أو مرفوضًا، لا ينفي غيره - خصوصا التدخل الإيراني– ، بل لا يتعارض معه أصلًا. بل إن التفكير بأن وجود أحدهما يلغي الآخر هو قمة السذاجة السياسية. فالتدخل الإيراني في العراق، خصوصًا بعد عام 2010، ليس محل نقاش جدي؛ أدوار قاسم سليماني في تشكيل الحكومات، ورسم التحالفات، واختيار الرؤساء، باتت من الوقائع المعلومة، لا من نظريات المؤامرة.
الأدهى من ذلك، أن بعض الخطاب السائد حاول تصوير الرفض الأمريكي للمالكي بوصفه دليلًا على “وطنيته” أو “استقامته”، وكأن معيار النزاهة هو مقدار الخصومة مع واشنطن. ولو أخذنا هذا المنطق إلى نهايته، لكان صدام حسين وبشار الأسد رمزين للإصلاح والعدالة، لمجرد أنهما اصطدما بالسياسة الأمريكية.
في الواقع، لا الولايات المتحدة ترفض الأشخاص حبًّا بالعراق، ولا إيران تدعمهم دفاعًا عن سيادته. كلاهما يتحرك وفق مصالحه. ورفض واشنطن لشخصية مثل المالكي لا ينبع من حرص أخلاقي، بل من كونه يمثل – سياسيًا – امتدادًا صريحًا للمشروع الإيراني في العراق، في لحظة تمارس فيها أمريكا أقصى درجات الضغط على طهران. فكيف يُعقل أن تسمح لخصمها بالمناورة في ساحة تعتبرها جزءًا من أمنها الاستراتيجي؟
وهنا يبرز سؤال لا يجرؤ كثيرون على طرحه بصدق: إذا كان التدخل الأمريكي مرفوضًا، فلماذا يُسوَّغ التدخل الإيراني؟ وإذا كان الفيتو الأمريكي اعتداءً على السيادة، فلماذا تُستقبل “مباركات” خامنئي بوصفها شأنًا طبيعيًا أو دينيًا أو أخويًا؟ أليست هذه ازدواجية فجة، تحكمها الانتماءات لا المبادئ؟
إن أزمة السيادة في العراق ليست حادثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لإقصاء القوى الوطنية الحقيقية، واستبدالها بطبقة سياسية لا ترى في الدولة سوى غنيمة، ولا في السلطة سوى وسيلة للبقاء. طبقة أتقنت صناعة الأزمات، وتعميق الانقسامات، وتفجير الخلافات، وفشلت فشلًا ذريعًا في بناء دولة أو رعاية شعب.
في هذا السياق، يصبح اللامعقول ليس فقط وصفًا للمشهد، بل موقفًا عامًا، يُعاد إنتاجه يوميًا عبر خطاب تبريري، وانفعالات عاطفية، ووعي مأزوم. وما لم يُستعاد العقل النقدي، ويُفك الارتباط بين السياسة والانتماء الأعمى، ستظل البلاد تدور في حلقة عبثية، تتضخم فيها الأزمات، إلى أن تبتلع كل شيء.
السياسة في العراق اليوم لا تعاني من نقص الشعارات، بل من غياب العقل. ولا تحتاج إلى مزيد من “المدافعين”، بل إلى من يجرؤ على التفكير خارج القطيع.

» محمد ساجت السليطي (كاتب وباحث عراقي)...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عبر الخريطة التفاعلية.. رصد لأبرز مواقع القصف الأمريكي على ج


.. فقرة خاصة | إلى أين يتجه الجدل الإيراني بشأن مذكرة التفاهم و




.. لليوم الثالث على التوالي.. صفارات الإنذار تدوي في الكويت وال


.. ليلة نارية في إيران.. القصف الأميركي يطال منشآت حيوية




.. ما الذي يخفيه البنتاغون عن المقاتلة الأخطر في العالم؟ | #ستو