الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ما زال بيننا شيء.. لم يُكتب، ولم يُنسَ.
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 2 / 10
الادب والفن
نعيش لأننا، حين نكبر قليلًا، نفهم أن ما ينكسر بين الناس لا يُكسر دائمًا عن قصد، وأن المسافات التي تتسع فجأة لا تكون بالضرورة قرارًا واعيًا، بل نتيجة تراكمات صغيرة لم ننتبه لها في وقتها. تفاصيل بدت عابرة، ثم اكتشفنا لاحقًا أنها كانت تحتاج فقط إلى حديث هادئ، لم يحدث.
نعيش لأننا في لحظات التعب لا نكون أفضل نسخنا. نُرهق من كثرة المحاولات، نُخطئ في التعبير، ونؤجل الكلام ظنًا أن الصمت أرحم. دون أن ندرك أن الصمت، أحيانًا، يكون أكثر إيلامًا من أي اعتراف متأخر، وأن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي إن لم تجد طريقها إلى الوضوح.
نعيش لأننا لسنا خصومًا في القصة، بل شخصين حملا ما يكفي من المشاعر، ثم تعثّرا تحت ثقل الحياة. اختلط عليهما الخوف بالحرص، والرغبة في الاستمرار بالخوف من الخسارة. وكل واحد منهما كان يحاول حماية قلبه، دون أن ينتبه أن القلب الآخر كان ينتظر الطمأنينة ذاتها.
نعيش لأن بعض اللحظات لم تكن بحاجة إلى حسم، بل إلى احتواء. إلى جملة واحدة تُقال في وقتها، إلى حضور بسيط يقول: أنا معك، حتى وأنا لا أملك كل الإجابات. وربما هنا، بالضبط، بدأ الشرخ.. لا من سوء نية، بل من نقص في الإنصات.
نعيش لأن مراجعة الماضي لا تعني جلد الذات، بل تعني أن نكون أكثر صدقًا مع أنفسنا. أن نعترف بهدوء أن بعض الأمور كان يمكن أن تُدار بلطف أكبر، وأن هذا الاعتراف لا يُدين أحدًا، بل يفتح باب الفهم. والفهم وحده هو ما يمنح العلاقات فرصة حقيقية للنضج.
نعيش لأن الحب، حين يكون صادقًا، لا يطالب بالكمال، ولا يبحث عن منتصر ومهزوم. هو يبحث عن مساحة آمنة نكون فيها أنفسنا دون أقنعة، ونتعلّم كيف نختلف دون أن نجرح، وكيف نقترب دون خوف من التكرار.
نعيش لأن الحياة قصيرة بما يكفي لتجعلنا نعيد التفكير فيما يستحق العناد، وما يستحق المحاولة، وما يجب أن نتركه خلفنا، وما لا يجوز أن نخسره فقط لأننا تعبنا في منتصف الطريق.
ولهذا، لا أكتب لأفتح حسابات قديمة، ولا لأعيد سرد الألم، بل لأقول إن بإمكاننا - إن أردنا - أن نضع كل ما مضى في مكانه الصحيح. لا كعبء، بل كخبرة. وأن نترك ما خلقناه من توتر وتوقعات وخوف، ونبدأ من نقطة أوضح، أهدأ، وأكثر إنصافًا لكلا الطرفين.
دعينا نجرّب من جديد، لا بروح التحدي، بل بروح الشراكة. لا بوعد مثالي، بل بنية صادقة. فالحياة لن نعيشها إلا مرة واحدة، ولا تستحق أن تسرق منا مشروعًا كان يمكن أن يكون قصة نجاح لنا، فقط لأننا خفنا من المحاولة مرة أخرى.
نعيش، رغم كل شيء، لأن بعض القصص لا تُنقذها الكلمات العالية، بل الحوار الهادئ، والصبر، والقدرة على أن نقول: ما زال في القلب متّسع .. إن أردنا أن نكمل.
ربما لأننا لم نغلق الصفحة، بقي قلبي يتعامل معك كأنك ما زلت هنا. ليس حضورًا يوميًا، بل فكرة دافئة، واطمئنانًا خفيفًا لا يوجع. تركناها مفتوحة لا لأننا ضعفاء، بل لأن ما كان بيننا كان أصدق من أن يُغلق بعجلة.
ما زال بيننا شيء واضح،،
أشعر به دون أن أبحث عنه. يظهر في هدوئي حين أتذكرك، وفي تلك المساحة التي لم يملأها أحد غيرك. ليس شوقًا متعبًا، ولا حنينًا موجعًا، بل إحساس ناضج يقول إنك كنت جزءًا حقيقيًا من قلبي .. وما زلت.
أنا لا أكتب لأستعيدك كما كنتِ، ولا للعودة إلى نقطة لم تعد تشبهنا. أكتب لأن قلبي، بهدوء شديد، ما زال يعرفك، وما زال يراك احتمالًا جميلًا، إن قررنا أن نقترب هذه المرة بوعي أكثر، وخوف أقل، وصدق لا يحتاج إثبات.
دعينا نترك كل ما أثقلنا، وكل ما خفنا منه، وكل ما لم نعرف كيف نقوله. ونجرّب أن نكون أقرب لأنفسنا ونحن معًا. لا وعود كبيرة، ولا نهايات مفتعلة .. فقط بداية صادقة.
فالحياة لا تُعاش إلا مرة واحدة، ولا أريد أن تمرّ ونحن نترك فرصة كانت حقيقية تتحوّل إلى صمت.
ما زال في القلب متّسع،
لنقول بهدوء: ما زال بيننا شيء، واضح لمن ينصت للقلب.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا