الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ضريبة الحرية في هولندا: حين يُموَّل الخوف من جيوب الجائعين
علي لهروشي
كاتب
(Ali Lahrouchi)
2026 / 2 / 13
مواضيع وابحاث سياسية
في بلدٍ يُقدَّم للعالم نموذجًا للرفاه والعدالة والحقوق، يُفاجأ المواطن اليوم باقتطاعٍ جديد يُضاف إلى سلسلة اقتطاعات لا تنتهي، تحت اسمٍ لامع: «ضريبة الحرية». اسمٌ يبدو في ظاهره نبيلًا، لكنه في جوهره اقتطاعٌ إلزامي جديد يُفرض على رواتب الناس بحجة أن «الأمن ليس مجانيًا». وبين خطابٍ يتحدث عن الصمود والقوة، وواقعٍ يئنّ تحت وطأة الغلاء والضرائب والتأمين الإجباري، يجد المواطن نفسه مطالبًا بدفع ثمن سياسات لا يملك قرارها، وحروب لا ناقة له فيها ولا جمل. فهل أصبحت الحرية بندًا جديدًا في كشف الراتب الشهري؟ أم أن المسألة أعمق من مجرد ضريبة، وأقسى من مجرد مساهمة، في عالمٍ يسيره الجشع وتتحكم فيه حسابات الأرباح قبل كرامة الإنسان؟
في سابقةٍ غير معهودة، يتقدّم الحزب المسيحي الديمقراطي الهولندي، المشارك في الحكومة الجديدة، بمقترح فرض ضريبة إضافية تُقتطع مباشرة من الأجور الشهرية للمواطنين تحت مسمّى «ضريبة الحرية». ويقدّمها الحزب في تمويهٍ للرأي العام بوصفها مساهمةً تضامنية من الأفراد والشركات لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي، استنادًا إلى مبدأ أن «الأمن ليس مجانيًا»، بينما تغيير التوصيف بين “ضريبة” و“مساهمة” لا يغيّر من حقيقتها كاقتطاع إلزامي جديد يُضاف إلى الأعباء القائمة. فحين يُفرغ الجيب قسرًا، لا يهمّ الاسم الذي يُطلق على الفعل، لأن النتيجة واحدة: راتب أقل، وحياة أشد ضيقًا.
يبرّر الحزب الدفاع عن مقترحه وتمريره وفرضه بضرورة تعزيز القدرات الدفاعية وبناء مجتمع «قادر على الصمود» ضمن أوروبا قوية. وتتمثل الآلية المقترحة في دمج هذه الرسوم ضمن ضريبة الدخل، إلى جانب رفع نسبة مساهمة الشركات في صندوق تأمين العجز عن العمل، وفق تقديرات واستشارات صادرة عن برايس ووترهاوس كوبرز. كما تترافق الخطة مع إجراءات إضافية، منها إعادة العمل بالتجنيد العسكري الإلزامي وإتاحة فرص أوسع للخدمة المجتمعية، في إطار رؤية تؤكد أن حماية الوطن مسؤولية جماعية تتطلب مساهمة الجميع. غير أن كلمة «الجميع» غالبًا ما تُترجم عمليًا إلى المواطن البسيط أولاً وأخيرًا، ذلك الذي لا يملك شركات كبرى ولا ملاذات ضريبية ولا أبوابًا خلفية للنجاة من الاقتطاعات.
غير أن هذه الضريبة تأتي فوق سلسلة طويلة من الضرائب التي يرزح تحتها المواطن الهولندي: ضريبة الدخل الشهري والسنوي، ضريبة الأرباح، ضرائب الاستهلاك على كل السلع وكل الخدمات والمشتريات والماء والغاز والكهرباء، ضريبة الملكية كالعقار أو السكن أو أغراض أخرى، ضريبة السيارة، ضريبة المياه الصالحة للشرب، رسوم النفايات، وغيرها؛ أي إن كل مبلغ، صغيرًا كان أو كبيرًا، أدّاه المواطن لقضاء غرض ما إلا وأدّى نسبة ضريبة من ذلك المبلغ. إن الحياة نفسها أصبحت مسارًا إلزاميًا للضرائب: تعمل فتُقتطع منك ضريبة، تشتري فتُقتطع ضريبة، تسكن فتُقتطع ضريبة، تتحرك فتُقتطع ضريبة، حتى صار التنفس ذاته يبدو وكأنه ينتظر فاتورة. إن الثقل الضريبي المتزايد يدفع عددًا من المواطنين الهولنديين إلى الهجرة بحثًا عن بيئات ضريبية أخفّ، هربًا من واقعٍ يضيق عامًا بعد عام.
فإذا كان الهدف هو حماية الإنسان زمن الحرب كما يتم الترويج لذلك، فهل تكفي أي مساهمة مالية—مهما بلغ قدرها—لصدّ الصواريخ والطائرات المسيّرة والقنابل الموجّهة؟ أليس المواطن هو الذي يؤدي دائمًا كل الضرائب، بما فيها أكبر ضريبة: ضريبة الدمار والخراب والأرواح والجوع والحرمان والفقر الذي تتسبب فيه الحروب التي عمل ويعمل السياسيون من أجل اندلاعها؟ إنهم لا يعملون من أجل فرض السلام، بل من أجل اندلاع الحرب خدمةً للشركات والمعامل العملاقة التي تصنع الأسلحة وتشعل نيرانها. أليس هؤلاء السياسيون مجرد سماسرة لتجار الحروب، يوقعون العقود بأيدٍ باردة بينما ترتجف الأجساد في البرد والعوز؟
إن السياسيين الحاليين في هولندا، للأسف، مجرد أطفال مراهقين لا يعلمون بعد شيئًا عن معاناة المواطنين المكتوين بنار غلاء العيش وغلاء الكهرباء والغاز، حتى صار المواطن الهولندي يرتجف بردًا وأحيانًا جوعًا في بلد يدّعي أنه بلد غني؛ بلد يهتم بحقوق الحيوان والطبيعة فيما يُدمَّر الإنسان نفسيًا واقتصاديًا. في كل مرة يبحث هؤلاء السياسيون عن ملء الخزينة من جيوب المواطنين، في حين أنهم هم من يفرغ تلك الخزينة بتهورهم وقلة تجاربهم ومعارفهم، وقد نخرت أساليب النهب والسلب مؤسسات هولندا. كم من بحث أُجري، وكم من تجاوزات واختلاسات كُشف عنها، ومع ذلك لم يُحاكم أو يُعاقَب أحد، وكأن المساءلة رفاهية لا تُمنح إلا للضعفاء.
إن الاختلاسات والغلاء عبر التضخيم في الفواتير تبدأ من زيارة الطبيب أو طبيب الأسنان أو أي مؤسسة من المؤسسات التي تقدم الخدمات الصحية والترويضية للمواطن، وهو ما يجعل التأمين بدوره يرفع كل سنة من مبالغ التأمين المدفوعة شهريًا والمفروضة على كل مواطن بلغ سن الثامنة عشرة من عمره. وهكذا سُلبت حتى حرية المواطن في أن يختار أن يؤمّن أو لا يؤمّن، ناهيك عن أن عليه أن يسدد حوالي أربعمائة يورو قبل أن تبدأ التغطية الصحية من مؤسسات التأمين. إنها سرقة مباشرة، لأن بعض المواطنين لا يحتاجون إلى الذهاب إلى الطبيب أو المستشفى خلال سنة أو أكثر، ومع ذلك يُفرض عليهم الأداء. يدفع لأنه قد يمرض، ويدفع لأنه لم يمرض، ويدفع لأنه يعيش فقط.
ولو كان السياسيون الهولنديون قولًا وفعلًا يريدون حرية المواطن وحمايته، لعملوا على تأميم كل المؤسسات التي تقدم الخدمات للمواطن، بدءًا بالصحة والتأمين والسكن والتعليم والنقل والماء والكهرباء؛ فلا يحق للقطاع الخاص أن يستفرد بهذه القطاعات الحيوية التي تمسّ لقمة العيش وكرامة الإنسان. فإذا حققت أرباحًا استفادت الدولة وخزينتها العامة واستفاد المواطن، أما القطاع الخاص فلا يهمه سوى الأرباح وامتصاص دماء المواطن تحت عناوين الكفاءة والسوق الحر. وإذا تمت خوصصة كل شيء كما هو الحال في هولندا، فماذا يريد الشعب من تواجد البرلمان أو الحكومة أصلًا، وهما لا يتدخلان في مراقبة الخدمات، ولا في معاقبة المتلاعبين بالأسعار، ولا في تحديدها لحماية المواطن من النهب؟ ما قيمة السياسة إذا تحولت إلى شاهد صامت على استنزاف الناس؟
وفي سياق الأعباء الضريبية المتزايدة، تغادر هولندا سنويًا أعداد تفوق 200 ألف شخص؛ فقد بلغ عدد المغادرين 208,537 سنة 2024 وارتفع إلى 211,863 سنة 2025، ومن بينهم ما يزيد عن 40 ألف مواطن هولندي سنويًا، مع الإشارة إلى أن ليس جميع المهاجرين من أصول هولندية خالصة. وتعود أسباب ذلك إلى تعدد الضرائب، وارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن الخانقة، والاكتظاظ السكاني، واعتبارات اجتماعية وثقافية، إضافة إلى رغبة بعض المتقاعدين في قضاء ما تبقى من أعمارهم خارج البلاد. أما الوجهات الأكثر اختيارًا فهي بلجيكا وألمانيا وإسبانيا، إلى جانب المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا وأستراليا، إضافة إلى كوراساو. إنها هجرة صامتة، احتجاج بلا لافتات، تصويت بالأقدام ضد واقعٍ لم يعد يُحتمل.
وبين خطاب يتحدث عن «ضريبة الحرية» لبناء مجتمع قادر على الصمود، وواقع يزداد فيه الثقل الضريبي وتتسع فيه دائرة الغلاء والهجرة، يبقى السؤال قائمًا: هل هذه الضريبة حماية حقيقية للمواطن، أم عبء جديد يُضاف إلى سلسلة أعباء أنهكت كاهله؟ فإذا كان السياسيون جادين في ما يقولونه عن دفاعهم عن الوطن وحمايتهم للمواطن، فماذا عملوا للوطن وللمواطن من أجل ثني هذه الأعداد من الناس التي تغادر هولندا في صمت حزين دون أن يهتم بها أحد؟ أم أن المواطن في نهاية المطاف ليس سوى رقم في جدول الإيرادات، يُستدعى للدفع حين تحتاج الخزينة، ويُنسى حين يختار الرحيل؟
أمستردام
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ألمانيا تمنع تأجير الأرحام.. فكيف أصبح وزير ألماني مثلي أباً
.. لماذا تأجل اجتماع لبنان وإسرائيل؟ وما العقد التي تعطل الاتفا
.. وصول الأرجنتين لنيوجيرسي وعودة يامال تدعم إسبانيا وسط مخاوف
.. شبكات - الأرجنتينيون يؤيدون إسرائيل أم فلسطين؟
.. فوق السلطة 501 - لماذا أحبت الشعوب الأمير الوالد؟