الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إنسان للبيع

إكرام فكري

2026 / 2 / 14
الفساد الإداري والمالي


لسنا أمام انحرافات فردية متناثرة كما يحب الخطاب السطحي أن يصوّر الأمر، بل أمام نظام كامل يعيد تعريف القيمة. فهو يقنعنا بهدوء أن ما لا يُباع لا يُحسب، وما لا يُسعَّر لا يُرى. في هذا المناخ، يتحول السؤال الأخلاقي إلى سؤال اقتصادي متنكر، وتصبح الكرامة بندًا قابلًا للمساومة.

وحين تُختزل القيمة في الربح، لا يبقى الأمر مجرد فكرة نظرية معلّقة في الهواء، بل يتسرّب إلى إدارة الدولة وتحديد أولوياتها. تُقاس النجاحات بما يلمع سريعًا في الأرقام، بما يجذب الاستثمار، وبما يصنع صورة براقة قابلة للترويج. المشاريع التي تَعِد بعائد مالي أو رمزي تتقدّم الصف، أما ما يحفظ الإنسان—مثل التعليم، الصحة، والبنية التحتية الأساسية—فقد يُؤجَّل أو يُعاد توجيهه ليصبح هو أيضًا فرصة للربح. المدارس والمستشفيات لا تُدار فقط لتعليم البشر أو علاجهم، بل لتوليد دخل من عقود، شراكات، ومزايدات. حتى ما كان يُعتبر حقًا من حقوق الإنسان يُعاد صياغته وفق معايير السوق، ليصبح “فرصة استثمارية”، فتُصبح القيمة الاقتصادية مرادفًا للقيمة الإنسانية ، بهذا المنطق، يصبح المستقبل مشروعًا استثماريًا لا وعدًا إنسانيًا. المستقبل هنا لا يُموَّل من فراغ؛ يُموَّل من جيوب تضيق، من أسعار ترتفع، ومن ضغط يومي يدفع الإنسان إلى حافة القلق. وحين يضعف الأساس الاقتصادي للفرد، لا يبقى الصراع أخلاقيًا خالصًا، بل يتحوّل إلى صراع بقاء. الخيارات التي كانت مرفوضة أخلاقيًا قد تبدو، تحت ضغط الحاجة، ممكنة أو مؤجَّلة الحكم. ليس لأن الضمير اختفى، بل لأن كلفة الحفاظ عليه أصبحت باهظة. ومن هذه النقطة تحديدًا تبدأ المأساة الفردية، التي يُراد لنا أن نراها كحالات معزولة، بينما هي في جوهرها امتداد طبيعي لمنطق بدأ بتسعير القيمة نفسها.

المأزق إذن ليس أخلاقيًا فقط، بل بنيويًا. حين تصبح القيمة مرادفة للمال، يُعاد ترتيب كل شيء: المشاريع تُبرَّر بعوائدها، العلاقات تُقاس بمكاسبها، وحتى الحب يُفهم كاستثمار. في مثل هذا المناخ، يتآكل المعنى ببطء؛ يفقد الإنسان إحساسه بذاته كغاية، ويعتاد أن يرى نفسه وسيلة ، الحل لا يكون بالصراخ الأخلاقي ولا بالتبرير العاطفي. الحل يبدأ بإعادة تعريف القيمة: أن نقول بوضوح إن الإنسان ليس مشروعًا استثماريًا، وإن الجسد ليس رأسمالًا احتياطيًا لأيام الضيق، وإن التنمية التي تُضعف قدرة الناس على قول “لا” ليست تنمية بل ضغطًا مقنّعًا. المطلوب اقتصاد يخفف الحاجة، ثقافة تكشف آليات الاستغلال، وتربية تعلم أن الكرامة ليست امتيازًا بل حقًا أصيلاً ، قد يبدو هذا خطابًا مثالياً، لكنه في الحقيقة شرط واقعي لبقاء المجتمع متماسكًا. حين يصبح كل شيء قابلاً للبيع، لن يبقى شيء يستحق الاحترام. وحين يعتاد الإنسان أن يقيس نفسه بما يملكه لا بما يكونه، يفقد البوصلة الداخلية التي تحميه من الانزلاق …إن أخطر ما في النظام المعاصر ليس هيمنة المال فحسب، بل تحوّل الإنسان ذاته إلى مشروع قابل للتسويق، وقدرته على تحويل حضوره إلى عوائد.

المحصلة النهائية هي اغتراب متعدد الأوجه: اغتراب عن الذات حين تُختزل في صورة، واغتراب عن الوطن حين تُختزل التنمية في إسمنت، واغتراب عن المعنى حين يُستبدل بالقيمة السوقية. ليست المأساة في وفرة المادة، بل في انطفاء المعنى. فما جدوى الملاعب الشاهقة والمدن اللامعة إذا كانت تُقام فوق هشاشة إنسانية غير مرئية؟ إن الوعي بهذه الحقيقة ليس ترفًا فكريًا، بل جرحًا معرفيًا دائمًا؛ صرخة هادئة في وجه عالم يبيع الوهم لليائسين، ويعيد تسمية الاستغلال “نمواً”، والقهر “استقرارًا”.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 6 صواريخ تستهدف محيط جزيرة قشم ومؤشرات على اشتباكات بحرية جن


.. سياق الحدث | سيناريوهات التصعيد مع توسيع الحرس الثوري لبنك أ




.. الهجمات بين روسيا وأوكرانيا تستهدف بنى تحتية ومنشآت طاقة


.. مكفوفو إندونيسيا يواجهون صعوبات في الحصول على فرص عمل




.. خارج حسابات هرمز.. واشنطن تستهدف ميناء تشابهار الإيراني الاس