الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
زمن خارج القانون
الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي
(Echahby Ahmed)
2026 / 2 / 16
كتابات ساخرة
في البلد المغرب، لا شيء يربكك مثل اعتراف الدولة بنفسها… ثم تراجعها عنه بعد أسابيع. نحن البلد الوحيد تقريبًا الذي يعيش بنظام توقيت عنده قابلية أخلاقية للاعتذار. ساعة نُقدّمها بثقة، ثم نُؤخّرها بتواضع، ثم نعود لتقديمها وكأن شيئًا لم يكن. وكأن الزمن نفسه ملف إداري يُفتح ويُغلق حسب المزاج، أو حسب بيان يُنشر فجر الأحد حين يكون المواطن نائمًا ولا يملك حق الاعتراض.
الدولة تقول لك بكل هدوء: الساعة التي تعيش بها أحد عشر شهرًا ليست قانونية. ثم لا يحدث شيء. لا لجنة تحقيق، لا مساءلة، لا حتى اعتذار رمزي للزمن الذي سُرق من أعمار الناس. فقط اعتراف عابر، يشبه قول شخص لك: “آسف، كنت أضحك عليك”، ثم يواصل الضحك.
الأطرف في الأمر أن هذا الاعتراف لا يدفعنا إلى إلغاء الخطأ، بل إلى تقنينه موسميًا. نُعيد الساعة “القانونية” في رمضان، وكأن القانون نفسه يصوم ويفطر. خارج رمضان، يعود الزمن إلى وضعه غير القانوني، لكن بعلم الجميع، وبصمت الجميع. يصبح المواطن شريكًا في الجريمة الزمنية، يستيقظ باكرًا وهو يعلم أن الساعة تكذب عليه، ومع ذلك يضبط المنبه.
هنا لا تعود المشكلة في الساعة، بل في الفلسفة التي تحكمها. كيف يمكن لدولة أن تقول لك: هذا التوقيت غير قانوني، لكننا سنعتمده لأنه عملي؟ أليس من المفروض أن يكون القانون هو العملي بطبيعته؟ أم أن “اللا-قانوني” عندنا أكثر نجاعة من القانون نفسه؟
المدرسة تبدأ قبل أن يستيقظ الضوء، التلميذ يدخل القسم بنصف دماغ، الموظف يوقع الحضور بجسد حاضر وعقل مؤجل، ثم نُفاجأ بتقارير عن ضعف التركيز والإنتاجية. وكأن الساعة غير بريئة، وكأن الزمن نفسه أصبح موظفًا متعاقدًا لا يحترم شروط العمل.
المثير للسخرية أن الدولة لا تناقش الموضوع معنا، بل تُعلنه. تُخبرك بما قررت، لا بما فكرت فيه. الزمن عندنا قرار سيادي، لا شأن لك به. أنت فقط عدّل ساعتك، وعدّل نومك، وعدّل صحتك النفسية، وإن تعبت… فذلك خارج التوقيت.
ولأن العبث حين يكتمل لا يكتفي بالإدارة والاقتصاد، فإنه يمرّ حتمًا عبر النفس. الساعة غير القانونية لا تسرق النوم فقط، بل تُربك الإحساس بالزمن الداخلي. الإنسان يحتاج إلى إيقاع ثابت ليشعر بالأمان، وحين يُنتزع منه هذا الإيقاع، يبدأ القلق في التسلل بهدوء. اضطرابات النوم، تقلب المزاج، ضعف التركيز، توتر غير مبرر… كلها أعراض تُعالج عند الأفراد، بينما سببها جماعي ومؤسساتي. كأن الدولة تقول للمواطن: اختلّ من الداخل، ثم تدبّر أمرك مع طبيب نفسي لا يعترف هو نفسه بأي ساعة يعتمد في مواعيده.
الساعة غير القانونية لا تُتعب الجسد فقط، بل تُربك الإحساس بالمعنى. حين تستيقظ وأنت غير متأكد إن كان هذا الصباح “حقيقيًا” أم مجرد قرار إداري، تفقد علاقتك الطبيعية بالوقت. يصبح اليوم والليل أقصر مما يجب، وتتحول الحياة إلى سباق مع عقارب لا تحترم بيولوجيا الإنسان. ومع ذلك، لا أحد يتحدث عن الصحة النفسية حين نناقش التوقيت، كأن القلق رفاهية، وكأن الإرهاق النفسي لا يدخل ضمن “المصلحة العامة”.
وهكذا، لا نعيش فقط بتوقيت غير قانوني، بل نعيش أيضًا بإجهاد غير معترف به، وبقلق مُهمَل، وبصبر يُطلب منا دائمًا… إلى أن يقرر الزمن، في بلاغ جديد، أن يعتذر مرة أخرى.
نحن، لسنا ضد التغيير، ولا ضد الاجتهاد، لكن أن تعيش في بلد يعترف بأنك تعيش بتوقيت غير قانوني، فذلك شكل متقدم من العبث. عبث مُقنَّن، مضبوط ببلاغ، ومُرفق بعبارة: “وذلك مراعاةً للمصلحة العامة”. أما المصلحة الخاصة للمواطن، فلها توقيت آخر… ربما يُعلن عنه فجر أحدٍ قادم.
#زمن_خارج_القانون #المغرب_والتوقيت #ساعة_غير_قانونية #صحة_نفسية #العبث_الإداري #رمضان_2026 #التوقيت_القانوني
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. -بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع
.. تغطية خاصة | مسؤول أميركي لـ-رويترز-: واشنطن لا تزال ملتزمة
.. مسؤول أمريكي: استمرار المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران
.. قصة ديكور غرفة العزل في فيلم -الفيل الأزرق- من محمد عطية مهن
.. مريم الأولي علي المدارس الفنية المتقدمة الصناعية نظام الخمس