الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء
إكرام فكري
2026 / 2 / 16الادارة و الاقتصاد
في بنية النظم التي تقتات على الاستعراض، يبرز خلل عميق في ترتيب الأولويات يتجاوز مجرد التدبير الإداري ليصل إلى حد "الاستلاب القيمي"، إذ يبدو أن ترتيب الأولويات لم يعد يستند إلى "الحاجة الإنسانية" بقدر ما يستند إلى "الصورة السيادية". تبرز هنا معضلة السيادة الجمالية: كيف يمكن لمنظومة تدّعي العقلانية التدبيرية أن تمارس تقشفاً حاداً على المرافق الحيوية للبسطاء، في مقابل سخاءٍ مفرطٍ لتعزيز رفاهية النخبة الإدارية؟ إننا أمام تساؤل جوهرى حول طبيعة "الدولة الوظيفية"؛ هل هي أداة لخدمة الكيان المجتمعي ككل، أم أنها مجرد "شركة عقارية" كبرى تُعيد تشكيل الجغرافيا والمالية لتناسب تطلعات فئة معينة، حتى لو كان ثمن ذلك هدم فضاءات الحياة اليومية وتشريد قاطنيها تحت ذريعة "تجويد المشهد العام"؟
يتجلى الخلل البنيوي في توزيع الموارد حين تتحول الميزانيات العامة إلى أداة لترسيخ "الفصل الطبقي" تحت غطاء هيبة الدولة. ففي الوقت الذي تُغلق فيه نوافذ الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم بدعوى "ضبط العجز المالي"، تُفتح قنوات الإنفاق بلا تحفظ لتوفير أرقى مستويات الرغد في المقرات الرسمية والسكنات الوظيفية لكبار المسؤولين. هنا، لا يصبح تحديث الفضاءات الخاصة وتأثيثها وفق أرقى المعايير مجرد فعل إداري، بل هو إعلان صريح عن انحياز المنظومة؛ حيث يُعتبر تأمين رفاهية "الفئة المسيرة" أولوية قصوى تسبق تأمين "كرامة المسيرين". هذا التفاوت يخلق اقتصاداً موازياً، حيث تُسحب الأموال من عروق الخدمات العامة لتُضخ في عروق "البرستيج الرقمي والمكاني" للطبقة البرجوازية البيروقراطية، مما يجعل "راحة المسؤول" هي المعيار الحقيقي لنجاح السياسة المالية.
وتنتقل هذه العقلية من تدبير الأموال إلى تدبير "المجال"، حيث تُمارس الآلة التنظيمية نوعاً من "العنف الجمالي" ضد الجغرافيا. ففي سبيل الحفاظ على مثالية "الواجهة" أمام الفعاليات الكبرى أو المنشآت الضخمة، يتم تفعيل سياسات الإزالة والتهجير القسري. في هذا السياق، لم يعد للمدرسة أو المسكن قيمة في ذاتهما؛ فإذا تصادف وجود مؤسسة تعليمية في طريق "الرؤية البصرية" لملعبٍ عالمي أو مجمعٍ سياحي، فإنها تتحول فوراً إلى "تشوه بصري" يجب استئصاله. إن هدم بيوت الناس وتسوية أحلامهم بالأرض لضمان "مشهدٍ بانورامي" لزائرٍ عابر، هو التجسيد الأقصى لتحول الإنسان من "غاية" إلى "عائق". إن السياسة هنا لا تبني وطناً، بل تصمم "ديكوراً" سينمائياً، حيث تُمحى الهويات الأصيلة للأحياء والسكان لتترك المجال لبريقٍ زائف يخدم حصرياً اقتصاد الانطباع وصورة الدولة في البورصة العالمية.
هذا الميل نحو "تجميل القشرة" يعكس حقيقة أن السلطة في هذه المنظومة باتت تخاطب "الآخر" البعيد (المستثمر، السائح، المنظمات الدولية) وتتجاهل "الداخل" القريب. فالفائض المالي الذي كان من المفترض أن يُرمم مدرسة متهالكة أو يبني مشفىً ميدانياً، يتم استهلاكه في صفقات "تحديث المظهر" للنخبة، مما يخلق هوةً سحيقة بين عالمين: عالم "الواجهات المترفة" التي تُعرض في النشرات الإخبارية، وعالم "القاع الاجتماعي" الذي يُدفع به خلف الأسوار لكي لا يفسد بهجة العرض الكبير. إنها رأسمالية الإقصاء التي ترى في الفقير وعمرانه البسيط "عيباً تقنياً" يجب إصلاحه بالجرافات، بدلاً من كونه مواطناً يجب إصلاح واقعه بالتنمية.
في نهاية المطاف، إن المنظومة التي تبرع في تشييد القصور وتفشل في حماية القبور، وتتقن تزيين صالونات مسؤوليها بينما تنهار أسقف مدارسها، هي منظومة ترهن مستقبلها لصالح "لحظة استعراضية" عابرة. إن النجاة من هذا التيه القيمي تتطلب إعادة الاعتبار للإنسان كمركزٍ وحيدٍ للعملية التنموية. إن هيبة الدولة الحقيقية لا تكمن في لمعان واجهات الملاعب أو فخامة بيوت المسؤولين، بل في صمود بيت مواطن بسيط أمام عواصف الحاجة، وفي بقاء مدرسةٍ مفتوحة الأبواب في وجه الجهل. التحدي الحقيقي ليس في بناء "واجهة" تجذب الأنظار، بل في بناء "وطن" يحتضن الجميع، حيث تكون الأولوية للحق في الوجود قبل الحق في الاستعراض، وللعدالة في التوزيع قبل الأناقة في التصميم.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الخامسة | ترمب يعيد حصار إيران.. واسترداد كميات ضخمة من الذه
.. عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة قطر: الأمير الوالد أسس جيلا
.. الميزانية، اقتصاد الحرب.. ما أبرز ما قاله الرئيس ماكرون في خ
.. 375 كيلوغرامًا من الذهب تعود إلى خزائن العراق.. تطور صادم في
.. من الطاقة إلى التنمية.. كيف أعاد الأمير الوالد رسم الاقتصاد