الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قراءة نقدية في حدود الوظيفة التفسيرية لمذكرة تقديم مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة رقم 66.23

خالد خالص

2026 / 2 / 16
دراسات وابحاث قانونية


أثار مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة نقاشا واسعا داخل الأوساط المهنية والقانونية، ليس فقط بسبب ما يتضمنه من مقتضيات جديدة، ولكن أيضا بسبب الوثيقة المرافقة له، أي مذكرة التقديم، التي يفترض أن تشكل مدخلا تفسيريا لفهم منطق الإصلاح وخلفياته. فبحسب الإطار الدستوري والتنظيمي، لا تعد مذكرة التقديم مجرد وثيقة شكلية، بل أداة أساسية لشرح السياق العام للمشروع وتبرير اختياراته التشريعية، بما يسمح بتأطير النقاش العمومي والبرلماني حوله.
غير أن قراءة متأنية لمذكرة تقديم مشروع القانون 66.23 تبرز عددا من الإشكالات التي تطرح تساؤلات حول مدى قيامها بهذه الوظيفة. إذ تنطلق المذكرة من مسلمة مفادها أن الإطار الحالي لتنظيم مهنة المحاماة لم يعد ملائما، لكنها لا تحدد بشكل دقيق طبيعة هذا الاختلال ولا مصدره. فلا يظهر بوضوح ما إذا كان الأمر يتعلق بقصور في النص القانوني القائم، أو بإشكالات في تطبيقه، أو بتغيرات في السياق المؤسساتي والمهني تستدعي المراجعة. هذا الغموض يجعل من الإصلاح هدفا في حد ذاته، دون ربطه بإشكاليات محددة قابلة للنقاش والتقييم.
ويلاحظ كذلك أن المذكرة تميل في كثير من فقراتها إلى أسلوب وصفي عام، يكتفي بعرض ما يسعى المشروع إلى تحقيقه، دون تعليل كاف للاختيارات المعتمدة أو بيان أسباب تفضيلها على بدائل ممكنة. فبدل بناء علاقة سببية واضحة بين الوضع القائم والحلول المقترحة، تورد الوثيقة قائمة من الأهداف والمجالات، من قبيل التكوين أو التأديب أو التنظيم المهني، في صيغة أقرب إلى العرض الإخباري منها إلى الشرح التشريعي.
كما تعكس المذكرة ترددا في تحديد التصور الناظم لمهنة المحاماة. فهي تؤكد من جهة على استقلال المهنة وطابعها الحر، لكنها من جهة أخرى تبرر تدخلا تنظيميا واسعا يمس جوانب دقيقة من الممارسة المهنية، دون أن توضح الأسس التي تحكم هذا التوازن بين الاستقلال والتنظيم. هذا الغموض في الفلسفة المؤطرة ينعكس على فهم روح المشروع، ويجعل القارئ أمام تصور غير مكتمل المعالم.
ويبرز في هذا السياق اعتماد لغة عامة ومجردة عند تقديم اختيارات تشريعية ذات أثر مباشر على توازنات المهنة. إذ يتم تقديم عدد من المقتضيات باعتبارها تحديثا أو تحسينات تقنية، دون الاعتراف بطابعها الاختياري أو مناقشة آثارها المحتملة على التنظيم الذاتي للمهنة. وهو ما يؤدي إلى تحييد النقاش بدل فتحه، ويحد من إمكانية مساءلة هذه الاختيارات بشكل صريح.
ومن الملاحظ أيضا أن مذكرة التقديم تكاد تنفصل عن الذاكرة التشريعية والمهنية لمهنة المحاماة. فهي لا تحيل على النقاشات التي رافقت القوانين السابقة، ولا على الانتقادات أو المقترحات التي راكمتها الهيئات المهنية عبر سنوات من الممارسة. هذا التجاهل للسياق التاريخي يعطي الانطباع بأن المشروع يولد في فراغ، وهو ما يضعف بعده الحواري والرمزي.
إلى جانب ذلك، تسجل على المذكرة بعض الاختلالات المفاهيمية والقانونية التي تمس دقتها التفسيرية. من ذلك استعمال تعبيرات من قبيل "تأهيل المهنة"، بما يحمله من إيحاء بوجود خلل بنيوي في المهنة ذاتها، في حين أن التدخلات المقترحة تتعلق أساسا بتأهيل الممارسين أو آليات الممارسة. كما تقدم بعض المقتضيات على أنها مستجدات تشريعية، رغم كونها منصوصا عليها سلفا في النصوص الجاري بها العمل، وهو ما يربك القارئ في التمييز بين ما هو ثابت وما هو جديد.
ويظهر أيضا التباس في توصيف مفهوم التمثيل المهني، حيث توحي بعض الصياغات بأن الهيئات أو المجالس تمثل "المهنة" في حد ذاتها، بدل تمثيل الهيئات المكونة لها، وهو خلط لا يخلو من دلالات تتجاوز الجانب اللغوي إلى تصور معين لتنظيم المهنة ومركزية تمثيلها.
ومن بين الأمثلة الدالة على هذا التوجه إدراج إلزامية ارتداء البذلة المهنية ضمن صلب القانون، وتقديمها باعتبارها تحديثا تشريعيا، رغم أن مثل هذه القواعد تندرج تقليديا ضمن التنظيمات الداخلية للهيئات المهنية. ويطرح هذا الاختيار تساؤلات حول حدود التدخل التشريعي، ومخاطر نقل ضوابط تنظيمية جزئية إلى مستوى القانون، بما قد يضيق هامش التنظيم الذاتي ويخلط بين القواعد التأسيسية والقواعد التطبيقية.
في المحصلة، تكشف قراءة مذكرة تقديم مشروع القانون 66.23 أن الإشكال لا يكمن فقط في مضمون المقتضيات المقترحة، بل أيضا في الكيفية التي تم بها تقديمها وتأطيرها. فبدل أن تشكل المذكرة أداة للتنوير والتفسير، بدت في جوانب عديدة خطابا عاما يفتقر إلى الوضوح المفاهيمي والتعليل التشريعي، وهو ما يعيد طرح سؤال جودة الوثائق المصاحبة للتشريع ودورها في تكريس نقاش مهني وتشريعي شفاف ومسؤول.
إن اختلالات مذكرة تقديم مشروع القانون رقم 66.23 لا تظل دون أثر، بل تمتد بالتبعية إلى مشروع القانون نفسه، ذلك أن قصور الوظيفة التفسيرية للمذكرة ينعكس على وضوح منطق الإصلاح وعلى قابلية المقتضيات المقترحة للفهم والنقاش والتقييم. ويزداد هذا الإشكال حدة في ظل غياب دراسة الأثر التي يلزم بها الإطار القانوني المنظم للعمل التشريعي، لما تشكله من أداة أساسية لتقدير الآثار المهنية والمؤسساتية للنصوص القانونية، وهو ما سنعود إلى مناقشته في إطار قراءة مستقلة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاصيل اعتقال خلية داعش المسؤولة عن تفجيرات دمشق الأخيرة


.. تقرير لهيومن رايتس ووتش.. -اللاجئون السودانيون في مصر يتعرضو




.. الخارجية الإيرانية: الاعتداءات الأمريكية انتهاك صارخ لميثاق


.. أخبار الصباح | -سقوطُ الحصانة-.. اعتقال الفضلي بتهمِ فسادٍ ق




.. الضفة الغربية.. أرقام بشأن الطلبة المعتقلين تزامنا مع امتحان