الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حدود المجال التشريعي والمجال التنظيمي في مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 23.66 بالمغرب
خالد خالص
2026 / 2 / 17دراسات وابحاث قانونية
يشكل النقاش الدائر حول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة مناسبة علمية ومؤسساتية لإعادة طرح إشكالية دقيقة في فقه التنظيم المهني، تتمثل في تحديد الحدود الفاصلة بين المجال التشريعي الوطني والمجال التنظيمي الداخلي للهيئات المهنية. فنجاعة أي إصلاح تشريعي لا تقاس فقط بسلامة المقتضيات التي يتضمنها، وإنما كذلك بحسن توزيعها بين النصوص ذات الطبيعة التشريعية العامة وبين الآليات التنظيمية الذاتية التي تتولى الهيئات المهنية وضعها وتطويرها، أو التي يضطلع بها المجلس الوطني للهيئات. الى جانب ما يدخل ضمن أعراف وتقاليد وأخلاقيات المهنة.
إن التمييز بين القانون المنظم للمهنة والأنظمة الداخلية للهيئات ليس تمييزا شكليا أو تقنيا محضا، بل هو تمييز وظيفي وجوهري يرتبط بطبيعة القاعدة القانونية، ودرجة عمومها وتجريدها، ومدى اتصالها بالحقوق والحريات والضمانات الأساسية للممارسين والمتقاضين على السواء. فالقانون يفترض فيه أن يحدد المبادئ الكبرى والضمانات الجوهرية والإطار العام للمهنة، في حين تضطلع الأنظمة الداخلية بضبط الكيفيات التطبيقية والتفاصيل الإجرائية والتنظيمية التي تقتضيها الممارسة العملية، إلى جانب ما يتصل بالسلوك المهني الذي تؤطره قواعد الأخلاقيات.
وتتجلى الأهمية المؤسساتية لهذا التمييز في كونه يحقق جملة من الأهداف الاستراتيجية؛ فهو يكرس مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة باعتباره أحد مقومات استقلالها، ويجنب تضخم النص التشريعي وإثقاله بتفاصيل قابلة للتغيير، ويمكن الهيئات من التكيف مع التحولات المهنية والتقنية، ويضمن استقرار المبادئ العامة مع توفير مرونة في آليات التطبيق.
في المقابل، فإن التوسع في إدراج المقتضيات التفصيلية داخل النص القانوني يفضي إلى آثار عكسية، من بينها تجميد التطور المهني وربطه بإجراءات تعديل تشريعي معقدة، وتقليص هامش الاستقلال الذاتي للهيئات، وتكريس مركزية مفرطة في تنظيم شؤون مهنية يفترض فيها التدبير الذاتي.
ويلاحظ من خلال قراءة مشروع القانون رقم 23.66 أن نسبة مهمة من مواده تتضمن مقتضيات ذات طابع تنظيمي أو إجرائي كان الأولى أن تدرج ضمن الأنظمة الداخلية، الأمر الذي يقتضي تخفيف النص التشريعي وحصره في المبادئ والضمانات الأساسية.
ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك ما ورد في المادة 47 التي تنص على أنه:
"لا يحق للمحامي الحضور في إطار ممارسة مهامه أمام الهيئات القضائية أو أمام كتابات الضبط أو كتابات النيابة العامة إلا إذا كان مرتدياً للبذلة المهنية."
فإذا كان مبدأ ارتداء البذلة المهنية أمام الهيئات القضائية يندرج في المجال التشريعي لارتباطه برمزية المهنة ووقارها، فإن تحديد نطاق الحالات أو الامتدادات التطبيقية أو الاستثناءات الممكنة يمكن أن يندرج ضمن المجال التنظيمي الداخلي، خاصة إذا تعلق الأمر بآليات التطبيق العملي أو بحالات خاصة تفرضها طبيعة العمل القضائي.
كما تنص الفقرة الأخيرة من المادة 48 على وجوب قيام المحامي، عند الترافع أمام محكمة خارج دائرة نفوذ محكمة الاستئناف المحدثة لديها الهيئة المسجل بها، بتقديم نفسه والتصريح برقمه المهني الوطني للنقيب أو من يمثله، ولكل من رئيس الجلسة وممثل النيابة العامة والمحامي الذي يرافع عن الطرف الآخر.
ويلاحظ أن هذه الفقرة تتضمن تنظيما تفصيليا لآلية تطبيقية ذات طابع إداري وإجرائي، تندرج ضمن التدبير الداخلي لشؤون الهيئة، ولا تدخل في صميم المبادئ المؤطرة للمهنة، فضلا عن أنها تتطلب مرونة في التطبيق، خاصة في ظل كثرة المحاكم والتحول الرقمي واعتماد المعرف المهني الوطني.
أما المادة 60، التي تنص على أن المحامي يستقبل موكله بمكتبه، وأنه في حالة تنقله خارج دائرة نفوذ المحكمة الابتدائية التي يتواجد بها مقر مكتبه يمكنه القيام بذلك بمكتب أحد المحامين، وأنه لا يجوز له التوجه إلى موطن موكله إلا في ظروف استثنائية مع إشعار النقيب ومراعاة قواعد الوقار وأخلاقيات المهنة تحت طائلة المساءلة التأديبية، فإنها تتعلق بجانب تنظيمي داخلي أو مسطري لا يمس بالضمانات الجوهرية للمهنة، كما أن إدراجها في القانون يؤدي إلى تجميدها تشريعيا.
وبخصوص المادة 61، التي تلزم المحامي بحث موكله على تسوية النزاع عن طريق الصلح أو الوساطة أو غيرها من الطرق البديلة قبل مباشرة أي مسطرة قضائية، وتوجب عليه إخبار موكله بمراحل سير الدعوى والإجراءات المتخذة فيها وما يصدر بشأنها من مقررات، وتقديم النصح فيما يتعلق بطرق الطعن وآجالها، فإن الأمر يتعلق بتنظيم مهني وسلوكي يمكن أن يدرج ضمن النظام الداخلي أو ضمن مدونة أخلاقيات المهنة، دون حاجة إلى تكريسه بنص تشريعي.
أما الفقرة الثانية من المادة 72، المتعلقة بشكليات الوصل الذي يسلمه المحامي لموكله عند تسلمه مبالغ مالية، فيستحسن أن تترك للأنظمة الداخلية السهلة التعديل، بدل تكريسها قاعدة قانونية قد تصبح متجاوزة بفعل التطور التكنولوجي واعتماد الوسائل الرقمية.
وتبقى الملاحظة ذاتها قائمة بخصوص المادة 73 المتعلقة بدفتر الحسابات اليومية الذي يوافق عليه النقيب، وهو تنظيم أصبح متجاوزا في ظل الطرق الحديثة لمسك الحسابات والأنظمة الرقمية المعتمدة، مما يجعل من الأجدر إحالة طريقة مسك الحسابات إلى الأنظمة الداخلية حتى تتكيف مع التطورات السريعة التي يشهدها العالم الرقمي.
وخلاصة القول، إن العديد من المقتضيات الأخرى للمشروع لا محل لها في النص التشريعي، بل يتعين إحالتها إلى الأنظمة الداخلية للهيئات أو إلى نظام داخلي موحد. ويستند هذا التوجه إلى أساس مؤسساتي متين، قوامه احترام مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، وضمان مرونة التطبيق، وتقليص التضخم التشريعي، وتعزيز دور مجلس الهيئة كمصدر للشرعية المهنية، وتمكين المهنة من التكيف مع التحول الرقمي والتطورات المتسارعة دون حاجة إلى تعديل قانوني متكرر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نادي الأسير الفلسطيني: عسكرة السجون الإسرائيلية تهدد حياة آل
.. هل يواجه نتنياهو خطر الاعتقال في أميركا؟ | #ستوديو_وان_مع_فض
.. اعتقالات وهدم منازل وتشريد عائلة خلال تصعيد إسرائيلي بالضفة
.. تصعيد إسرائيلي في الضفة.. اعتقالات وإخطارات هدم وإحراق مسجد
.. أكاديمي سوداني: نعيش تجارة بملف اللاجئين في السودان