الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سيكولوجية الانعزال: بارانويا الأقليات في المشهد السوري

خليل الشيخة
كاتب وقاص

(Kalil Chikha)

2026 / 2 / 17
قضايا ثقافية


بقلم: خليل الشيخة
لقد استوقفتني خلال العام المنصرم والحالي ظاهرة لافتة تمثلت في الخطاب المتطرف لبعض زعماء الأقليات، سواء الإثنية منها أو المذهبية؛ حيث تجلى هذا الخطاب في تضخيم مفرط للأخطار الوجودية، ومبالغة نرجسية في تقدير الذات، يقابلها انعدام تام للثقة في المحيط. وقد قادني هذا المشهد إلى استنتاج مفاده أن الأقليات التي اعتصمت بجغرافيا منعزلة كالجبال، أو تلك المتمركزة على الثغور الحدودية، تعاني بصورة أو بأخرى من أعراض "البارانويا" ممزوجة بملامح "النرجسية الجماعية"؛ وهي اضطرابات بنيوية تعيق التطور وتجهض فرص التعايش المشترك مع الآخر.
وبالاستناد إلى أطروحة الباحث "ثيودور ميللون" في مؤلفه (اضطرابات الشخصية)، نجد أن الشخصية البارانوية تتغذى على الريبة المستمرة والقلق المتوجس من الآخر، بينما تقتات الشخصية النرجسية على تضخيم "الأنا" والاعتداد المتورم بالإنجازات الذاتية. وإذا كان علم النفس يدرس هذه الحالات على مستوى الفرد، فإن علم النفس الاجتماعي يسحب هذه المعايير ذاتها على المجموعات البشرية، سعياً لتفكيك هذه الاضطرابات وربطها بالوعي الجمعي لتصحيح مسارها.
تتمثل عقدة الشخصية البارانوية في تقمّص دور "الضحية الأبدية" لعسف الآخرين، مما يدفعها قسراً نحو العزلة. وحين تتعرض أفعال هذه المجموعات للنقد، تندلع لديها موجات من القلق العدواني، مدفوعة بتوهمات حول تهديد وجودي وشيك، فتغرق في دوامة التشكي من التمييز وسوء المعاملة.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، نجد لزاماً علينا تسليط الضوء على هذه السلوكيات التي تناهض مفهوم الدولة وتعمل على تقويض المنجز الوطني. بل وصل الأمر ببعضها إلى الارتماء في أحضان ألد أعداء الوطن "إسرائيل"، والاستنجاد بها لانتهاك السيادة الوطنية وقصف الأرض واستباحة الحرمات، في مفارقة صادمة تتجاوز حدود المنطق الوطني.
إن نظرة فاحصة على المقاطع المتداولة عبر منصات "يوتيوب" تظهر أعلام الكيان الصهيوني وهي ترفرف فوق رؤوس بعض المتظاهرين. وهنا يبرز تساؤل جوهري: كيف لدولة قامت على اغتصاب الأرض وتهجير الشعب الفلسطيني أن تمد يد الخلاص لمشاكل أنتم من أوجدتموها؟ وهذا الاتهام أوجهه تحديداً لمن سمح لبعض المشايخ بقيادته نحو الهاوية، أمثال حكمت الهجري وغزال غزال والخزنوي.
ومن خلال متابعة المنصات الرقمية والمقابلات المتلفزة، يتضح أن هذا الخطاب ينطبق تماماً على تلك الأقليات المنعزلة التي تعيد إنتاج سردية "الضحية" بشكل هستيري، ملقيةً باللائمة على ما تسميه "إرهاب العرب السنة". بيد أن الوقائع التاريخية تنطق بعكس ذلك؛ فالعرب السنة طوال عهد "الأسدين" كانوا هم الهدف المباشر لمجازر واضطهاد مبرمج، مما يجعلهم الأحق تاريخياً بلقب الضحية وصاحب المظلمة.
لقد صاغت هذه الأقليات وعيها عبر تاريخ طويل من العزلة في الجبال والأرض الوعرة، وخاضت صدامات مريرة مع السلطة العثمانية، مما أورثها حالة من "السبات الاجتماعي". ولا يمكن تفسير وحشية الميليشيات التابعة للأسد أو الميليشيات الوافدة من العراق إلا بربطها بهذه الاضطرابات الشخصية التي أفرزت هذا العنف المفرط.
كما تبرز "النرجسية الجماعية" لدى بعض هذه المكونات في حاجتها الملحة للإطراء، وميلها لاستغلال الآخرين لتحقيق مآرب فئوية. وحين تُواجه هذه النرجسية بالنقد، تنفجر غضباً وشتماً، كما رأينا على الشاشات ممن يدعون أنهم "الأصل" في هذه البلاد، واصفين محيطهم بالإرهاب والتخلف، ومنصبين أنفسهم كالنخبة المتحضرة الوحيدة. هذه العقلية تطالب بامتيازات تفوق حقوق المواطنة العادية، بدعوى "الحساسية المفرطة" أو الوضع الخاص، مطالبةً الدولة بتسخير مقدراتها لإرضاء نزواتهم على حساب الآخرين.
هذا النموذج النرجسي ليس بجديد؛ فقد مارسه "اليمين المسيحي" في لبنان سابقاً، وتحديداً النخبة السياسية منها، التي تعاملت بتعالٍ مع محيطها العربي، مما مهد الطريق لحرب أهلية مدمرة لا تزال آثارها تنخر في الجسد اللبناني حتى اليوم.
ختاماً، يفسر علم النفس نشوء الشخصية البارانوية كنتيجة للإهمال أو التعبئة الخاطئة منذ الطفولة، حيث يُزرع في روع الطفل أن العالم الخارجي عدو متربص. أما النرجسية، فهي وليدة الدلال المفرط الذي يجعل الفرد يظن أنه مركز الكون؛ وهذه المفاهيم حين تنتقل من الفرد إلى الجماعة، تصبح لغماً يهدد استقرار الأوطان.
...................................................................................
Disorder of Personality .- Theodore Millon








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - مقالة رائعة
زهير ( 2026 / 2 / 20 - 03:39 )
هذه المقالة كافية لشرح هستيريا بعض الأقليات
تحياتي للكاتب

اخر الافلام

.. لبنان بين حصر السلاح والتفاوض مع إسرائيل.. إلى أين تتجه الحك


.. حياة ذكية - آبل تستعير الذكاء الاصطناعي وأنثروبيك تحذر من مخ




.. 12 دولة أوروبية تطالب الاتحاد بدور استراتيجي أكبر في القطب ا


.. تحت ضغط بوتين.. هل تنجر بيلاروسيا إلى حرب أوكرانيا؟




.. نشرة إخبارية | نزوح أكثر من 100 ألف يمني جراء الحرب.. وإيران