الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-وجوه تضحك… وظهور تُطعَن او حين تتحول الكلمة إلى سلاح هــدم -

محمد الزيري
صحفي مهني، باحث اكاديمي حاصل على شهادة الدكتوراه

(Ezziri Mohammed)

2026 / 2 / 17
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


كلما ترسخت ثقافة الخضوع في وعي البشر تقلّص منسوب الحرية في سلوكهم وتفكيرهم، ولم تعد القيود تُرى في السلاسل الحديدية بل في العقول التي قبلت أن تُقاد بدل أن تقود، وأن تُلقَّن بدل أن تفكر، وأن تردد بدل أن تسائل. هذا النمط من الاستسلام لا يحتاج إلى سياط ولا إلى أسواق نخاسة، بل ينمو في البيئات التي يُكافأ فيها الامتثال ويُعاقَب فيها الاختلاف، حيث يُطلب من الإنسان أن يذوب في القطيع حتى لا يُتَّهم بالخروج عن الصف. وحين يسود هذا المناخ تتعطل ملكة النقد، ويخفت صوت العقل، ويتراجع الإبداع، لأن التقدم العلمي والاجتماعي لا ينبت في أرض الخوف، بل في تربة الحرية والمسؤولية والجرأة على السؤال.
هناك شخصية تتكاثر في البيئات التي يضعف فيها الوعي وتغيب فيها الشفافية، شخصية تتقن الابتسام في الوجوه بينما تخفي خناجرها في الظهور، تُجيد صناعة الكلام المعسول في العلن وتُتقن همس السموم في الخفاء، تعيش على نقل الأخبار الزائفة وتضخيم الأحداث وتحريف الوقائع، لا لأنها تبحث عن الحقيقة بل لأنها تستمد قوتها من الفوضى. هذا النموذج لا يتحرك بدافع الإصلاح ولا بدافع الغيرة على المصلحة العامة، بل بدافع الرغبة في السيطرة غير المباشرة، فهو يعلم أن أفضل طريقة لإضعاف الآخرين هي تفريقهم وإشعال الشكوك بينهم.
هذه الشخصية لا تكتفي بنقل الكلام بل تُعيد صياغته بما يخدم غاياتها، تقتطع من الجملة ما يثير الحساسيات وتُسقط منها ما يحقق التوازن، تُحوّل الخلاف الطبيعي إلى عداوة، وتُحوّل سوء الفهم إلى قطيعة، ثم تقف متفرجة على نتائج ما صنعت، وكأنها بريئة من كل شيء. هي بارعة في التلون، تُظهر لكل طرف ما يريد سماعه، وتُخفي عنه ما قيل في مجلس آخر، فتبدو في الظاهر جسراً للتواصل بينما هي في الحقيقة معول للهدم. إنها تستثمر في ضعف الثقة بين الناس، وكلما زاد التوجس والريبة زادت قدرتها على التحكم في مسارات العلاقات.النمّام ليس مجرد ناقل كلام، بل صانع سياقات، والبنّاد ليس مجرد وسيط، بل مهندس خلافات، ومحترف خلق المشاكل لا يتحرك بعشوائية بل وفق نمط مدروس يقوم على الإيقاع بين الناس ثم ادعاء البراءة. هو يعرف أن المجتمعات المتماسكة عصية على الاختراق، لذلك يعمل على تفتيت الروابط، وعلى تشويه السمعة، وعلى خلق روايات موازية للحقيقة حتى يختلط الصدق بالكذب. وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتنتشر الشائعات بضغطة زر، يجد هذا النموذج بيئة خصبة لتوسيع نفوذه، فيتحول من شخص محدود التأثير إلى عنصر قادر على إرباك مؤسسات وجماعات كاملة.
خطورة هذه الشخصية لا تكمن فقط في أثرها الاجتماعي، بل في تأثيرها العميق على مسار التقدم، والإصلاح الاجتماعي يحتاج إلى وضوح في الأهداف وتكامل في الجهود، وعندما يُستبدل ذلك كله بالوشاية والتشكيك والتشويه، تتعطل الطاقات وتُهدر الإمكانيات. فبدل أن ينصرف الناس إلى البناء ينشغلون بالدفاع عن أنفسهم، وبدل أن يتفرغوا للإبداع ينغمسون في تفنيد الإشاعات، وبدل أن يتوحدوا حول مشروع مشترك يتشتتون في معارك جانبية لا تنتهي. إن مواجهة هذا النمط لا تكون بالصراخ ولا برد الفعل الانفعالي، بل بترسيخ ثقافة الحرية المسؤولة التي ترفض العبودية الفكرية وترفض في الوقت نفسه الانزلاق إلى الفوضى الأخلاقية. الحرية الحقيقية لا تعني أن يقول الإنسان ما يشاء دون تبعات، بل أن يتحمل مسؤولية كلمته وأن يلتزم بصدقها. والمجتمع الذي يقدّر الحقيقة ويُعلي من قيمة الشفافية ويشجع الحوار المباشر يقلّ فيه نفوذ النمّامين وصناع الفتن، لأن الضوء أقوى سلاح ضد الظل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وزير الخارجية السعودي يؤكد أهمية حرية الملاحة وسلامتها في مض


.. طهران ومسقط تؤجلان اجتماعا خليجيا وانفجارات مجهولة تهز سيريك




.. الجيش السوداني يعلن إسقاط -مسيرة استراتيجية معادية- فوق محاف


.. هجوم مباغت غرب تعز.. انهيار تحصينات الحوثيين تحت القصف الجوي




.. غارات إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر وبلدات عدة جنوبي لبنا