الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الاستعمار حين يغيّر أقنعته: إفريقيا بين وهم الاستقلال واستمرار التبعية- قاعدة الارتباط… حين يُنتِج الإفقارُ الهجرةَ ويُكرس الاستعمارُ بلا جنود
محمد المذكوري
2026 / 2 / 17مواضيع وابحاث سياسية
لم يغب الاستعمار عن إفريقيا، وإن بدت مظاهره القديمة وكأنها انقضت. فقد تبدّلت هيئته وتحوّلت أدواته، فاستعاض عن الجيوش بالاتفاقيات، وعن الرايات المرفوعة ببنود تُوقّع في المكاتب المغلقة. ولم يعد يحتاج إلى أن يُمسك برقاب الحكّام، ما دام في مقدوره أن يُمسك بخيوط الاقتصاد والثقافة والقرار السياسي.
وإذا تتبعنا الخطاب الإعلامي والسرديات السياسية، من وجهة التحليل النقدي للخطاب، نرى تكرار مقولة أن القارة فقيرة، وكأن الفقر صفةٌ أبدية لا تنفكّ عنها. غير أن الفقر، في جوهره، ثمرة علاقة غير متكافئة امتدّت من عهد الاستعمار إلى ما بعد الاستقلال، وارتدت ثوباً قانونياً يثبت التبعية في صور شتّى، حتى غدت مألوفة لا يُلتفت إلى خطرها.
وإذا عدنا إلى التجارب الأولى بعد الاستقلال بان لنا المسار واضحاً. ففي توغو حاول سيلفانوس أوليمبيو أن يخطو خطوة في طريق السيادة الفعلية، فكان نصيبه الاغتيال في أول انقلاب تشهده البلاد. ولم يكن الحدث مجرد سقوط رجل، بل كان رسالة حاسمة مفادها أن التحرّر مرحّب به ما دام لا يمسّ الارتباط مصالح القوى الكبرى.
وفي موريتانيا، اتخذ الارتباط القصري صورة أكثر هدوءاً، لكنها كانت أشدّ ثباتاً. فقد ظلّ الارتباط المالي والنقدي قائماً، وبقيت اللغة والثقافة امتداداً لما كانت عليه في الماضي، وكأن الاستقلال السياسي لم يشفع للدولة في تحقيق استقلال فعلي في مجالات الاقتصاد والإدارة والسيادة على القرار لما فيه مصلحة للبلاد والعباد. حالها في هذا حال جميع دول المنطقة.
أما النيجر، فقصتها مثال بيّن على اختلال المبادئ. فهي بلد غني بما يحمله باطن أرضها من اليورانيوم والثروات الطبيعية، لكنه يُعدّ من أفقر دول العالم. يضيء بموارده مدناً بعيدة في قلب اروبا، بينما يعيش جزء كبير من شعبه في ظلام الاحتياج. ومثل هذا التناقض لا يمكن تفسيره إلا بنظام عالمي تُنقل فيه القيمة المضافة إلى الخارج، وتبقى الحقوق في الداخل مجتزاه.
أما عندما أعلنت نيامي السفير الفرنسي شخصاً غير مرغوب فيه، وفق ما تقضي به الأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية، فقد ثار حول القرار ضجيج كبير، وكأن ممارسة الحق السيادي الوطني جريمة لا تُغتفر. وغدا الحديث عن “الاستقرار” و”الديمقراطية” ستاراً يُغطّي حقيقة أن الاعتراض موجّه إلى استقلال القرار لا إلى شكله القانوني.
وهكذا يتبيّن أن قاعدة الإرتباط لا تحتاج اليوم إلى قوة السلاح، بل يكفيها أن تُضفي الشرعية على حاكم يدور في فلك المستعمر القديم أو الحديث، وتُحمّل الخارج عن هذا الفلك والمحاول ارخاء حبل الارتباط تهمة التمرّد أو العصيان.
وقد اتّخذت هذه الارتباط التبعي وجوهاً اقتصادية وثقافية. فالقارة تُصدّر المواد الخام، بينما يحتفظ العالم الصناعي بقيمة التصنيع، فتظلّ ثروات إفريقيا متجهة إلى الخارج، وتعود إليها في صورة قروضٍ ومساعداتٍ مشروطة، تزيد من تعقيد الواقع بدل أن تحلّه. وترافق ذلك هيمنة لغوية تُكرّس نخبة ترتبط بالمركز الثقافي والسياسي، فتتشكل بنية اجتماعية وهوياتية تكرّر نفسها جيلاً بعد جيل.
وفي ظل هذا الوضع، تصبح الهجرة نتيجة طبيعية لهذه القاعدة. فالشباب لا يهاجرون حبّاً في المجازفة، بل هروبا من واقع يُضيّق عليهم سبل العيش والحياة الكريمة. والمفارقة أن الثروات تعبر الحدود من غير عائق، بينما يُحاصر أصحابها بتأشيرات وحواجز وأسوار.
إن الديمقراطية التي تحتاجها إفريقيا ليست مجرد صناديق اقتراع، بل قدرة حقيقية على إدارة الموارد وتوجيهها بما يخدم مجتمعاتها. أمّا ديمقراطية بلا سيادة اقتصادية، فهي قشرة لا مضمون لها تحول حكومات دول بأكملها إلى شبه منظمات غير حكومية مرتبطة بغيرها.
ويقف العالم اليوم على عتبة تحوّلات جديدة، تدخل فيها قوى متعددة إلى القارة، وتتنافس على النفوذ فيها. غير أن الخشية قائمة من أن تكون النتيجة تبعية جديدة بأسماء جديدة.
وما دام نظام الإفقار قائماً، ستظل موجات الهجرة متتابعة. وما دامت الثروة تُصنع هناك وتُستنزف هنا، سيبقى الجنوب في موقع التابع. وهكذا يستمر حضور الاستعمار، وإن ارتدى ثوباً حديثاً.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح لا يتعلق بكيفية منع الهجرة، بل بكيفية إصلاح النظام الذي يجعل الهجرة مخرجاً وحيداً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات بعد سنوات من ا
.. الحوثيون يتقدمون نحو باب المندب بعد سيطرتهم على المخا وجزيرة
.. وعد ترامب بـ5 آلاف دولار يهز السباق الانتخابي.. هل يمكن تنفي
.. غواصات روسية قرب كابلات الناتو.. ماذا يخطط بوتين؟ | #التاسعة
.. ترمب يتعهد بمنح 5000 دولار لكل أمريكي حال فوز الحزب الجمهوري