الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هكذا يقشرون أدمغتنا بملعقة صدئة
ناضل حسنين
الكاتب الصحفي
(Nadel Hasanain)
2026 / 2 / 18
قضايا ثقافية
يا إلهي، كيف يسرقون هذا العالم بوقاحة لص يرتدي بذلة رسمية، بينما نقف نحن، المثقفون والباحثون والفقراء، على أرصفة الانتظار نلوك أحلامنا المهترئة؟ إنني أرى ذاك "السطحي" الذي لا يعرف الفرق بين الفلسفة ونوع السجائر، يكدس الذهب والشهرة في جيوبه المثقوبة بالجهل، بينما يغرق الطبيب والباحث في أقبية النسيان، يفتشون عن بصيص ضوء خلف تلال من الورق الأصفر، وكأننا نعيش في سيرك عظيم يدير دفته مهرج فاشل يرفع التفاهة إلى سدة الحكم ويجلد العمق بسياط التهميش المتعمد.
إن هذا الخراب الذي يحيط بنا ليس مجرد سحابة صيف عابرة أو خلل في ذائقة المارة، بل هو هندسة دقيقة لـ "نظام التفاهة" الذي يوزع المكافآت على كل من يتقن فن الخفة، ويحكم بالأشغال الشاقة على كل من يتجرأ على حمل وزر الجدية في زمن الضحك الرخيص.
لا أحدثكم هنا عن مؤامرة تحاك في الغرف المظلمة خلف الستائر المخملية، بل عن منطق سوق بارد يحول الإنسان إلى مجرد "ترس إداري" مطيع، كائن لا يزعج المؤسسات بأسئلته المقلقة، ولا يعطل حركة البيع والشراء بتفكيره النقدي الذي يفسد متعة الاستهلاك البليد.
النظام يرتعد من المبدع الحقيقي لأنه يفكك الأوهام ويقترح بدائل لا تروق لتجار الأزمات، بينما يفتح ذراعيه للسطحي الذي يبتلع كل ما يلقى إليه من فتات التفاصيل الصغيرة، ولذلك نراهم يشيدون بيئة رمادية باهتة، لا تسمح بظهور عبقرية حادة ولا فشل مدوٍ، بل تكتفي بمستوى متوسط من الوعي يضمن بقاء القطيع يسير في الاتجاه المرسوم له سلفاً دون أدنى تذمر.
أما في السياسة، فالمجتمعات التي تغرق في بحار "الترندات" وأخبار فضائح المشاهير، تشبه العجين السهل في يد الخباز، إذ يسهل اقتيادها بعيداً عن أسئلة الحقوق والعدالة، فهم لا يحتاجون لإخفاء القضايا الكبرى، بل يكفيهم إغراقها في سيل من الأخبار الجانبية التافهة التي تعمل كـ "مخدر جماعي" يجعلنا ننسى جراحنا العميقة لننشغل بـ "بث مباشر" لمهرج جديد.
وحتى السوق، هذا الغول الذي لا يشبع، يفضل المستهلك الذي يقوده الانفعال والتقليد الأعمى على ذاك الذي يتوقف ليفحص ويقارن ويسأل عن القيمة الحقيقية للأشياء، فيضخ في عروقنا محتوى يثير الغرائز ويشل التفكير، لأن بيع الأوهام للغارقين في السطح أسهل بكثير من إقناع من يغوص في العمق.
الخوارزميات اليوم هي السجان الجديد، فهي لا تبحث عن الفائدة أو الحكمة، بل تطارد عدد الدقائق التي نقضيها ونحن نحدق في الشاشات ببلاهة، ترفع كل ما هو مستفز وصادم ليتصدر المشهد، بينما تدفن المعرفة الهادئة تحت ركام النسيان، حتى أصبحنا نقيس قيمة الإنسان بعدد "المشاهدات"، واستبدلنا الخبير الحقيقي بـ "مؤثر" لا يملك من أمره إلا صراخه الأجوف.
إنهم يخنقون الجودة ببطء ويلمعون الرداءة حتى تلمع كالألماس المزيف، يصنعون لنا قدوات هشة من ورق، فينهار إيماننا بالاجتهاد والتعلم الطويل، ويفقد المجتمع بوصلته ليصبح مجرد صدى للضجيج العابر.
ومع كل هذا القبح، تكمن قوة هذا النظام في استسلامنا الطوعي، فنحن من نمنحهم أغلى ما نملك: "انتباهنا"، ذاك المورد الذي يوجه وعينا ويصيغ أيامنا، والمواجهة الحقيقية لا تبدأ بالصراخ في الشوارع المهجورة، بل باستعادة السيطرة على عقولنا ووقتنا، باختيار ما نغذي به أرواحنا، وبإعادة تعريف النجاح كأثر عميق يتركه الإنسان في قلب الحياة، لا كحضور صاخب ينتهي بانتهاء شحن البطارية. في هذا الزمن الذي يزن القيمة بميزان "التفاعل" الزائف، يظل الوعي هو فعل المقاومة الوحيد الذي لم يستطيعوا تدجينه بعد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إسبانيا: حرائق تلتهم آلاف الهكتارات وسط ارتفاع حاد في درجات
.. بوشهر في مرمى التصعيد.. ضربة أمريكية قرب المنشأة النووية وإي
.. جهود متواصلة لخفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران
.. مراحل تحول هرمز إلى ساحة اختبار بين الولايات المتحدة وإيران
.. وثائق تكشف شرط الجيش السوداني للموافقة على مقترح السلام