الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فلسطين بين زخم الشارع الغربي وصمت المنطقة: مفارقات التضامن في زمن المجازر

سعد بن علال

2026 / 2 / 19
القضية الفلسطينية


لم تعد صور المجازر في غزة وصراخ الأمهات تحت الأنقاض بحاجة إلى ترجمة. تكفّلت شاشات الهواتف الذكية وحملات النشطاء حول العالم بإيصال الرواية الفلسطينية إلى أقاصي الأرض. ومع كل مجزرة ترتكبها قوات الاحتلال، لا تهدأ شوارع باريس، لندن، نيويورك، وشيكاغو. يتظاهر الآلاف حاملين شعارات من قبيل: "فلسطين حرة"، و"أوقفوا الإبادة"، في تحدٍ واضح لآلة التحريف الإعلامي والسياسي في الغرب. الجامعات الغربية أصبحت مختبرات للاحتجاج السياسي، وطلابها يسطرون فصولًا جديدة من التضامن النضالي، بينما تُخنق أصوات مماثلة في قلب الشرق العربي.
في الولايات المتحدة، التي ظلت لعقود الحاضنة الأهم للدعم المطلق لهذا الكيان، يتغيّر المزاج الشعبي ببطء لكن بثبات. استطلاعات الرأي تُظهر تراجعًا غير مسبوق في تأييد السياسة القائمة، خاصة بين الشباب، والأقليات العرقية، واليسار التقدمي. من مظاهرات هارفارد إلى الاعتصامات في كولومبيا وجامعة ولاية كاليفورنيا - لوس أنجلوس
، تتكثف حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات، وبرزت وجوه جديدة في المشهد السياسي تضع فلسطين في قلب خطابها، مثل أصوات برلمانية نسوية من خلفيات مهاجرة. هذا التحول يعكس بداية شرخ في التحالف التقليدي بين الدولة العميقة الأميركية والمشروع الاستيطاني، حتى وإن ظل ذلك في إطار النخبة غير الحاكمة.
في أوروبا، ورغم محاولات تجريم حركات المقاطعة أو قمع الشعارات الداعية لوقف الإبادة، لا تزال ساحات برلين ومدريد وأمستردام شاهدة على عناد شعبي لا يُكسر. لم يعد هذا مجرد تضامن إنساني، بل فعل سياسي ضمن دينامية نقدية تعيد مساءلة الإرث الاستعماري الأوروبي وتربط النظام الاحتلالي بوصفه امتدادًا عنصريًا لهذا الإرث. هذه الموجة التضامنية تتقاطع مع نضالات أخرى ضد العنصرية البنيوية، وتفتح آفاقًا لبناء أممية جديدة، متعددة الجبهات، تتجاوز الطابع القومي الضيق.
في المقابل، تبدو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، رغم القرب الجغرافي والروابط الثقافية، كأنها فقدت حسّها التاريخي تجاه فلسطين. غابت ردود الفعل الرسمية عن الحدّ الأدنى من المواقف الأخلاقية، بل إن بعض الأنظمة أصبحت متورطة في مسارات التطبيع الإعلامي والثقافي وحتى الأمني، متذرعة بـ"الواقعية السياسية" أو بـ"المصالح العليا". أما الشارع العربي، الذي كان يومًا بركانًا يتفجّر لأجل فلسطين، فقد أُنهك بسياسات القمع والتجويع والتطويع. جرى تفكيك بناه التنظيمية، وقمع طاقاته الشبابية، واحتُكرت الفضاءات العامة من طرف الدولة الأمنية.
ولا يمكن فصل هذا الخمول عن انهيار المشروع القومي العربي منذ هزائم السبعينات، وتحول القضية الفلسطينية إلى ورقة تُستعمل في البروباغندا الرسمية بدل أن تكون نداء تحرر. في ظل صعود النيوليبرالية السلطوية، جرى تفريغ الخطاب السياسي من أي مضامين تحررية، واستُبدلت معادلة "تحرير الأرض" بشعارات غامضة عن "السلام العادل"، أو استُوعبت ضمن مقولات التجديد الديني والتطبيع السردي.
بالمقابل، فإن الزخم التضامني في الغرب يطرح تحديات وأسئلة استراتيجية أمام الحركة الفلسطينية نفسها. فهو يضعها أمام مسؤولية إعادة بناء خطابها التحرري ضمن منطق كفاحي شمولي، يربط القضية الفلسطينية بكافة أشكال التمييز والعنصرية والاضطهاد في العالم. بهذا المعنى، فإن فلسطين لم تعد فقط مسألة وطنية، بل باتت مركزًا رمزيًا لنقد النظام العالمي ذاته.
إن مفارقة أن تكون شوارع الغرب اليوم أكثر تمسكًا بعدالة القضية من عواصم المنطقة ليست فقط مدعاة للأسى، بل هي لحظة تاريخية ينبغي التقاطها سياسيًا: لإعادة بناء حركة تحرر فلسطينية/عربية أممية، تفكك منطق التواطؤ الرسمي، وتعيد رسم خارطة الفعل الجماهيري على ضوء تجربة التضامن العابر للحدود. إنها لحظة الحقيقة: إما أن تستعيد المنطقة بوصلتها التحررية، أو تترك التاريخ يُكتب من خارجها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. باكستان: مقتل 12 شخصا في هجوم على الشرطة بسيارة مفخخة


.. إسبانيا: بدء إجلاء الركاب من السفينة المنكوبة بفيروس هانتا




.. هل تنتظر طهران تطورا معينا للرد على المقترح الأمريكي؟


.. قاضي محكمة الجنايات الرابعة في دمشق فخر الدين العريان يوجّه




.. إيران تسلم ردها على المقترح الأميركي.. ماذا جاء فيه؟