الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الشرق الأوسط على حافة التصعيد: العراق في قلب العاصفة المقبلة
مالك الجبوري
2026 / 2 / 19مواضيع وابحاث سياسية
مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد السؤال يدور حول طبيعة الخلاف النووي فحسب، بل حول شكل المنطقة إذا انزلقت نحو مواجهة مفتوحة. الشرق الأوسط يقف اليوم عند نقطة اختبار دقيقة، حيث تتداخل حسابات الردع مع مخاطر سوء التقدير، وتتحول ساحات النفوذ إلى خطوط تماس محتملة. وفي قلب هذه المعادلة يقف العراق، بوصفه الدولة الأكثر تعرضًا لارتدادات أي صدام إقليمي، والأكثر هشاشة أمام تحوله إلى ساحة رسائل متبادلة بين القوى الكبرى
إذا اندلعت مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الشرق الأوسط لن يشهد حربًا تقليدية محدودة بين دولتين، بل انزلاقًا سريعًا نحو تعدد جبهات وتداخل ساحات. المنطقة تعيش أصلًا على توازنات هشة، وأي صدمة عسكرية كبرى ستعمل كمسرّع لانفجار تناقضات مؤجلة، لا كمجرد حدث أمني عابر.
الضربة الأمريكية المحتملة، إن حدثت، لن تكون حدثًا تقنيًا معزولًا يستهدف منشآت نووية فقط، بل ستُقرأ في طهران باعتبارها محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في الإقليم. الرد الإيراني، وفق منطق الردع الذي تبنّته الجمهورية الإسلامية منذ عقود، لن يقتصر بالضرورة على جبهة واحدة. فلسفة “العمق الاستراتيجي” التي بنتها إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن تقوم على فكرة أن أي تهديد مباشر لها يمكن توزيعه جغرافيًا، بحيث تتحول الساحات المحيطة إلى أدوات ضغط متزامنة.
في هذا السياق، يصبح العراق الحلقة الأكثر هشاشة والأكثر تعرضًا للارتداد. فالعراق ليس فقط جارًا لإيران، بل هو أيضًا ساحة تداخل بين النفوذ الأمريكي والإيراني، ومسرحًا لوجود عسكري أمريكي محدود، إلى جانب قوى مسلحة مرتبطة أو متحالفة مع طهران. أي تصعيد واسع سيضع بغداد أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على سيادتها الداخلية في ظل ضغط مزدوج من واشنطن وطهران، ومن دون أن تتحول أراضيها إلى ساحة رسائل متبادلة؟
الاحتمال الأول يتمثل في عودة نمط “الاستهداف غير المباشر” للقواعد أو المصالح الأمريكية داخل العراق، سواء عبر صواريخ قصيرة المدى أو طائرات مسيّرة أو هجمات على أرتال لوجستية. مثل هذا السيناريو لا يعني حربًا شاملة داخل العراق، لكنه يعيد البلاد إلى أجواء ما بعد 2019، حيث كانت المواجهة تدور في الظل بين قوى غير متماثلة. الخطر هنا لا يكمن في حجم الضربات، بل في احتمالية خطأ الحساب؛ ضربة تسفر عن خسائر كبيرة قد تدفع واشنطن إلى رد أوسع، ما يرفع مستوى الاشتباك تدريجيًا.
الاحتمال الثاني يتمثل في ضغط سياسي داخلي على الحكومة العراقية لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي بشكل كامل. في أجواء تعبئة إقليمية، قد تتصاعد الدعوات البرلمانية والشعبية لإعادة طرح ملف الاتفاقيات الأمنية. هذا المسار، إن حدث، سيعيد طرح سؤال التوازن الاستراتيجي للعراق: هل يملك القدرة على إدارة أمنه وحده في بيئة إقليمية مضطربة، أم أن انسحابًا متسرعًا سيخلق فراغًا جديدًا؟
أما الاحتمال الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيرتبط بانزلاق المواجهة إلى تصعيد إسرائيلي–إيراني متزامن، ما قد يحول الساحة السورية واللبنانية إلى جبهات مفتوحة. في هذه الحالة، لن يكون العراق معزولًا عن الارتدادات، سواء من حيث تدفق السلاح والمقاتلين، أو من حيث الاستقطاب الطائفي والإعلامي الذي قد يتغذى على مشاهد الحرب.
اقتصاديًا، سيكون العراق من أول المتأثرين باضطراب أسواق الطاقة. صحيح أن ارتفاع أسعار النفط قد يبدو مكسبًا ماليًا في المدى القصير، لكنه يقترن عادة باضطراب في سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وضغط على الاستقرار المالي العالمي. كما أن أي توتر في الخليج أو مضيق هرمز يضع صادرات النفط العراقية في دائرة المخاطر غير المباشرة.
على المستوى المجتمعي، تعيش المجتمعات العراقية حالة إنهاك بعد سنوات من الاحتجاجات والأزمات الاقتصادية والبطالة والفساد. اندلاع حرب إقليمية واسعة قد يعيد خطاب التعبئة الطائفية إلى الواجهة، ويضعف التيارات المدنية التي حاولت خلال السنوات الأخيرة الدفع نحو خطاب وطني يتجاوز الاصطفافات الإقليمية. في أوقات الحروب، ترتفع أصوات الشعارات الكبرى وتخفت أصوات الإصلاح التدريجي.
مع ذلك، ينبغي التمييز بين “إمكانية الحرب” و“حتميتها”. حتى في حال وقوع ضربة عسكرية، قد يسعى الطرفان إلى ضبط سقف التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة طويلة الأمد. التجارب السابقة تشير إلى أن منطق الردع المتبادل، رغم حدّته، يحتوي داخله على آليات كبح ذاتي. السؤال ليس فقط: هل ستقع الضربة؟ بل: هل سيتمكن الطرفان من احتواء تداعياتها سريعًا؟
في المحصلة، العراق يقف على خط تماس جيوسياسي لا يملك ترف الحياد الكامل ولا القدرة على الانخراط الكامل. قدرته على تجنب التحول إلى ساحة صراع مباشر ستعتمد على مهارة قيادته السياسية في إدارة التوازنات، وعلى وعي مجتمعي يدرك أن الحروب الإقليمية لا تُخاض من أجل الشعوب، بل غالبًا على حسابها. الشرق الأوسط، إذا دخل مرحلة مواجهة واسعة، لن يعود إلى ما كان عليه قبلها بسهولة، والعراق سيكون أول من يشعر بارتجاجاتها وأصعب من يعيد ترميم توازناته بعدها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تصعيد إسرائيلي خطير في جنوب لبنان.. هل تنهار المفاوضات؟ | #ا
.. اشتداد القتال على الشريط الحدودي مع إثيوبيا يشرد الآلاف في ا
.. شبكات | ما سر كثرة الزلازل المتتالية مؤخرا في دول مختلفة؟ وه
.. شبكات | هل تحلم بالطيران؟ ابتكار صيني جديد يحقق الحلم
.. الخامسة | الموقوفون الإيرانيون في الكويت.. تفاصيل القضية ومس