الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لا ينقص الحب شيء .. إلا الجرأة
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 2 / 19
الادب والفن
أحيانًا لا ينقص الحب شيء، إلا الجرأة. لا ينقصه الإحساس، ولا الصدق، ولا حتى الرغبة في البقاء، بل تنقصه تلك الخطوة الصغيرة التي تفصل بين "نخاف" و"نختار". نحب كثيرًا، نشعر بوضوح، نقترب حتى تكاد الأرواح تتداخل، ثم نتراجع عند أول امتحان حقيقي، كأننا لم نكن قبل لحظة نتحدث بلغة واحدة. المشكلة ليست في القلوب، بل في القرار. لأن القرار يعني مسؤولية، والمسؤولية تعني أن نقول: نعم، هذا ما أريده، وهذا الشخص هو اختياري، حتى لو خفت. ونحن غالبًا نخاف أكثر مما نحب.
حين جاء الرفض، لم يكن مجرد كلمة عابرة. كان كأن أحدهم حاول أن يعيد تعريف كل ما حدث بيننا بجملة واحدة مختصرة. لم يكن الألم في الكلمة، بل في التناقض الذي سبقها. كيف يمكن لذاكرة مليئة بالدفء أن تُختصر فجأة إلى "صداقة"؟ كيف يمكن لقربٍ كان واضحًا في التفاصيل الصغيرة أن يتحول إلى علاقة محايدة بلا توتر ولا نبض؟ لم أجادل، ولم أرفع صوتي، لكن داخلي كان يسأل: هل أخطأت في القراءة؟ أم أنكِ خفتِ من المعنى عندما صار أكبر من قدرتك على تجاهله؟
وعندما جاء الرفض، لا تعتقدين أنني صديق بمعنى صديق. أنا لم أكن يومًا مجرد رفيق أحاديث مسائية، ولا محطة أمان مؤقتة. أنا الحبيب الذي يحتويك كالأب حين تتعبين، كالصديق حين تضحكين بلا حذر، كالأخ حين تبحثين عن سند لا يتغير. أنا الذي رأى فيكِ مشروع قلب لا احتمال علاقة. لذلك اعلمي أن حبنا لن يعود صداقة أبدًا، لأن ما وُلد بهذا العمق لا يمكن أن يُعاد تشكيله بحجم أقل. الصداقة جميلة، لكنها لا تصلح حين يكون القلب قد قال كلمته. إما أن يبقى الحب باسمه الكامل، أو يبقى الصمت بكرامته.
ميزان القرب بيننا لم يكن صدفة. كان هناك شيء حقيقي، ملموس، لا يحتاج إلى تفسير طويل. نظرة تأخرت أكثر مما يجب، خوف صغير في صوتك حين شعرتِ بأنني أقترب من الحقيقة، ارتباك جميل حين يلمس الكلام منطقة لا نجرؤ على تسميتها. هل كان كل ذلك وهمًا؟ أم أنكِ حين أدركتِ أنني لست عابرًا، شعرتِ بأن الأمر صار أكبر مما تحتملين؟ لأن الاعتراف لا يعني فقط قبول شخص، بل يعني قبول نفسك في مرآته، بلا أقنعة، بلا مخارج آمنة.
الوجع الحقيقي ليس في أن ترفضينا، بل في أن ترفضينا وأنتِ تعرفين. تعرفين أنني لم أكن لاعبًا، ولا هاوي تجارب، ولا رجل كلمات عابرة. تعرفين أنني حين قلت إنني أحب، كنت أضع قلبي كاملًا على الطاولة. وربما لهذا خفتِ. لأن الصدق الصافي مرعب. لأنه لا يترك مساحة للالتفاف، ولا يسمح بأنصاف العلاقات. إما أن نكون بكل ما فينا، أو لا نكون.
وهنا الذروة التي لا أحب أن أقولها، لكنني سأقولها: كان بإمكانك أن تختاري الشجاعة، لكنكِ اخترتِ الأمان المؤقت. كان بإمكانك أن تقولي نعم لما شعرتِ به، لكنكِ قلتِ لا لما خفتِ منه. وهذا ليس اتهامًا، بل توصيفًا صريحًا للحظة حاسمة. الحب لا يموت لأنه ضعيف، بل لأنه يُترك معلّقًا حتى يختنق. وأنا لم أكن يومًا خيارًا يُختبر، بل حقيقة تُواجه.
ومع ذلك، لا أكتب هذا لأكسر شيئًا فيكِ. أكتبه لأنني أريدك أن تبكي قليلًا، لا ندمًا، بل وعيًا. أريدك أن تعودي بذاكرتك إلى كل لحظة صدق بيننا، وتسألي نفسك إن كانت تستحق أن تُختصر. أريدك أن تشعري بثقل القرار الذي اتخذته، لا كعقاب، بل كمسؤولية. لأن القلوب لا تُحاسب بالكلمات، بل بالفرص التي ضاعت منها.
ثم أريدك أن تبتسمي. نعم، تبتسمي لأنكِ عرفتِ رجلًا أحبكِ بلا خوف، بلا مصلحة، بلا تردد. رجلًا لم يخف من اسمه الحقيقي في حياتك، ولم يحاول أن يختبئ خلف تعريف أقل من شعوره. تبتسمي لأنكِ كنتِ يومًا محور صدق كامل، ولأن هناك من رآكِ بعمق لا يتكرر كثيرًا.
الصفحة التي تركناها مفتوحة لم تكن استعطافًا، بل كانت اعترافًا بأن بعض القصص لا تُغلق بإرادة واحدة. نحن لم نصل إلى النهاية، نحن فقط توقفنا عند سطر يحتاج إلى جرأة ليُكمل. ميزان القرب ما زال بيننا شيء، حتى وإن ادّعينا عكس ذلك. لأن ما كان حقيقيًا لا يمحوه الخوف، بل يؤجله.
وفي النهاية، إن سألتِني ماذا كان ينقصنا، فلن أقول وقتًا، ولا ظروفًا، ولا اختلافًا. سأقول كلمة واحدة فقط: الجرأة. لأن الحب بيننا لم يكن ناقصًا، ولم يكن هشًا، ولم يكن عابرًا. كان واضحًا، صريحًا، جاهزًا لأن يُعلن نفسه. لكنه انتظر خطوة لم تأتِ.
وإن جاءت يومًا، ستجدينني كما كنت، لا أطلب أكثر مما أستحق، ولا أقبل أقل مما أعرفه عن نفسي. وإن لم تأتِ، فسيبقى يقيني هادئًا في داخلي: أنني أحببتكِ بصدق، وأن الحب بيننا لم ينقصه شيء، إلا الجرأة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا