الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


غواية التبعية

دارا محمد حصري

2026 / 2 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


غواية التبعية: حين يُقاد المجتمع بخرائط وهمية نحو الهاوية
​بقلم: دارا محمد حصري
​لا تكمن خطورة التبعية السياسية في مجرد الارتهان للخارج، بل في الكارثة التي تحدث حين تُسلم المجتمعات زمام أمرها لنخبٍ تخلت عن واقعها المحيط، لتقتات على فتات أفكارٍ وشعارات طوباوية غير قابلة للتحقق. إن المجتمع الذي يفقد سيادة قراره لا يتوقف عن الحركة، لكنه يتحرك في الاتجاه الخاطئ(الهاوية) حيث تتحول النخبة الحاكمة إلى مجرد "صدى" لسياسات لا تخدم سوى مصادرها، بينما يندفع المجتمع بأسره نحو هاوية سحيقة، وقوده فيها وعود براقة تخفي خلفها واقعاً مريراً من الارتهان والضياع.
𔁯. نخبٌ بلا جذور: حين يصبح القائد صدىً لغيره
​تبدأ مأساة المجتمعات حين تتحول النخبة السياسية من "عقلٍ مفكر" يستمد شرعيته من احتياجات الأرض والإنسان، إلى مجرد "أجهزة استقبال" لترددات خارجية. هذه التبعية الفكرية تخلق انفصاماً حاداً؛ حيث يعيش القادة في فقاعة من التنظيرات المستوردة والأجندات التي كُتبت في "مغارات مغلقة" بعيدة كل البعد عن أزقة المدن وهموم البسطاء.
​إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تنفيذ أوامر الخارج، بل في الإيمان الأعمى بنماذج وأفكار "غير قابلة للتحقق" في بيئتنا المحلية، مما ينتج سياسات مشوهة تُهدر الموارد والكرامة ودم الإنسان، ولا يخفى على أحد ما قدّمناه من مراقد بالآلاف نتيجة هذا الانفصام السياسي.
𔁰. ميكانيكية الانقياد: حين يسير المجتمع ببوصلة غيره
​إن التبعية تحول المجتمع من "فاعل" يصنع تاريخه، إلى "مفعول به" في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. عندما لا يكون القرار وطنياً، يصبح المجتمع بأسره مجرد ورقة مقايضة؛ يُدفع به إلى حروبٍ بالوكالة، أو يُزج به في أزمات وجودية طاحنة لحماية مصالح نخبته المرتهنة.
​في هذه الحالة، يفقد المجتمع "غريزة البقاء" الجماعية؛ لأن من يقوده لا ينظر إلى الأمام ليتجنب الهاوية، بل ينظر إلى الخلف ليتأكد من رضا "المتبوع". المجتمع هنا يشبه المسافر في حافلة يقودها شخص يقرأ تعليمات القيادة من واقع آخر أو زمن مضى عليها؛ والنتيجة الحتمية هي الارتطام بالواقع.
𔁱. سَرَاب الوعود: حين تصبح الأوهام خريطة طريق
​لا يكتمل مشهد التبعية إلا بصناعة "الأوهام"؛ تلك الأفكار البراقة التي تُسوّق للجماهير كحلول سحرية، بينما هي في الحقيقة مجرد "مخدر" لتمرير أجندات الارتهان. النخب التي لا تملك قرارها تبني قصوراً من الرمال فوق آمال الشعوب، وتعد بـ "الفردوس الموعود" عبر نماذج معلبة.
​وعندما تصطدم هذه الأوهام بجدار الواقع، لا تعترف النخبة بفشلها، بل تتمسك بارتهانها للخارج بحثاً عن "طوق نجاة" جديد. وهذا ما نشاهده جميعاً دون أن تقوم النخبة (الواعية وغير المرتبطة) بدورها البديهي، وهو الصحوة والوقوف بشجاعة لتعرية هذا الوهم؛ فصمت النخبة الواعية هو الجسر الذي تمر عليه الأكاذيب لتستقر في عقول العامة.
𔁲. استعادة البوصلة: مخاض السيادة والوعي
​إن الخروج من نفق التبعية المظلم يبدأ من "تأميم الوعي"؛ أي أن يدرك المجتمع أن الأفكار المستوردة التي لا تنبت في أرضه هي مجرد قيود ناعمة. طوق النجاة يتطلب نخبةً تؤمن بأن شرعيتها تُستمد من الشارع لا من الشعارات الطوباوية.
​على الشعب والسلطة أن يعتمدا على الذات ويعيدا بناء منظومة تصيغ المواطن كفرد ناقد لا مجرد تابع منقاد. السيادة في اتخاذ القرار ليست ترفاً سياسياً، بل هي "أكسجين" البقاء. إن الوهم الأكبر هو اعتقاد البعض أن الصمت خلف التبعية يقي شر الحروب، بينما الحقيقة أن كلفة التبعية أضعاف كلفة الاستقلال؛ فالتبعية استنزاف دائم للدم والموارد.
​الخلاصة: الشعوب لا تنتهي بالحملات والحروب ضدها بقدر ما تنتهي بتسليم قدرها والانجرار وراء الأوهام. الخيار اليوم واضح: إما الرضا بدور التابع، أو انتزاع المقود وشق طريق خاص نحو الحرية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل يتجه اليمن إلى مواجهة عسكرية واسعة؟ | #بالمنطق


.. أوكرانيا تشن أكبر هجوم على موسكو.. وروسيا تخترق أجواء الناتو




.. 181 عملية ضد الحوثيين.. لماذا تتركز العمليات في مأرب وتعز وا


.. عبر الخريطة التفاعلية.. تصعيد حوثي جديد في المخا.. ماذا يحدث




.. وصول حافلتين من جنود الاحتلال برفقة آليات عسكرية إلى بلدة قص