الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ميزان القرب
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 2 / 20
الادب والفن
لم أكتب هذه الكلمات لأستعيد ما مضى، ولا لأحمّل أحدًا عبء تفسيرٍ متأخر، بل لأن بعض الحكايات تبقى معلّقة في مكانٍ ما بين القلب والعقل، تنتظر أن نفهمها بهدوء قبل أن نصدر عليها حكم النهاية. حين بدأتُ كتابة «الصفحة التي تركناها مفتوحة»، كنت أظن أن تحويل المشاعر إلى حروف سيخفف وطأتها، وأن الاعتراف الصادق على الورق سيمنحني نوعًا من السلام. غير أنني اكتشفت أن الكتابة لا تُنهي الشعور، بل تكشف عمقه، وتضعك وجهًا لوجه أمام تفاصيل كنت تظن أنك تجاوزتها.
كان بيننا قربٌ لا يُقاس بالكلمات وحدها، بل بالإحساس الذي يسبقها. لم يكن ما جمعنا استعراضًا عاطفيًا، ولا حماس بداية عابرة، بل حالة من الطمأنينة الهادئة التي لا تتكرر كثيرًا في حياة الإنسان. كنت أرى في بساطتنا قيمة، وفي صدقنا مساحة آمنة تكبر كلما تحدثنا بوضوح. لم أبحث يومًا عن علاقة تُبهر الآخرين، بل عن معنى يبقى حين يهدأ كل شيء حولنا، ويبقى شخصان فقط يعرفان لماذا اختارا بعضهما.
وحين تغيّر الإيقاع، لم أُسارع إلى الاتهام، ولم أفتش عن أعذار. كنت أراقب بصمت، وأحاول أن أفهم المسافة التي بدأت تتشكّل بيننا دون إعلان صريح. أحيانًا لا يبتعد الناس لأنهم لم يعودوا يشعرون، بل لأنهم يخافون من عمق ما يشعرون به. وأحيانًا يصبح القرب نفسه اختبارًا، يكشف لنا حجم استعدادنا لتحمّل مسؤوليته. لم يكن الألم في الاختلاف، بل في ذلك التحوّل الهادئ الذي جعلني أشعر أنني أمدّ يدي في اتجاهٍ لم يعد يُقابَل بالحماسة ذاتها.
لم أكن يومًا رجل المقارنات، ولا رجل الشروط الثقيلة. أعلم أنني لست كاملًا، وأعلم أن الحياة لا تُبنى على المشاعر وحدها، لكنني كنت واضحًا بما يكفي لأقف أمامك كما أنا، بلا أقنعة ولا حسابات. وإن كان في صدقي شيء أربكك، فذلك لأنني لم أتعلم يومًا أن أحبّ بنصف قلب. كنت أؤمن أن الوضوح فضيلة، وأن الاعتراف بالشعور قوة لا ضعف، وأن مواجهة الخوف معًا أكرم من الهروب منه منفردين.
أتذكر التفاصيل الصغيرة لا لأنني عالق في الماضي، بل لأن التفاصيل هي التي تصنع المعنى. كلمة قيلت بصدق، نظرة سبقت ابتسامة، ارتباك خفيف في لحظة اعتراف، دمعة لم تخجل من الظهور، كل ذلك لم يكن عابرًا بالنسبة لي. كان ميزانًا دقيقًا أقيس به قيمة القرب، لا لأحاسبك، بل لأفهم نفسي وأفهمك. ربما لهذا السبب كان التحوّل مفاجئًا؛ لأنني لم أتعوّد أن أرى في عينيك إلا وضوحًا يشبهني.
اليوم، حين أراكِ، لا أحمل عتبًا في نظرتي، ولا سؤالًا ثقيلًا أبحث له عن إجابة. أحمل تقديرًا لتجربة شكّلت جزءًا مهمًا من وعيي ونضجي. نعم، ما زال في داخلي دفءٌ كلما التقَت عيوننا، وما زلت أبحث بشكل عفوي عن تلك اللمعة التي كانت تسبق كلماتك، لا بدافع المطالبة، بل بدافع الاطمئنان أن ما كان بيننا لم يكن وهمًا من طرفٍ واحد. فإن وُجدت تلك اللمعة، ابتسم قلبي بهدوء. وإن لم تظهر، يبقى احترامي لكِ كما هو، لأنني تعلّمت أن أقدّر الشعور حتى إن تغيّرت ظروفه.
أنا ما زلت الشخص الذي تعرفينه؛ هادئًا، لا يهوى الضجيج، ولا يجيد لعب الأدوار. لم تغيّرني التجربة إلى نسخة قاسية، بل جعلتني أكثر فهمًا، وأكثر اتزانًا. أحببتك بصدق، وما زلت أقدّر ذلك الصدق في داخلي، دون أن أحمّلك ثقلًا أو أطلب تفسيرًا. بعض المشاعر لا تحتاج إلى إعلان مستمر لتبقى حيّة، يكفي أنها كانت حقيقية يومًا، وأنها لم تُبنَ على وهم.
وعلاقتي بكِ، في داخلي على الأقل، ليست نهاية تُغلق، بل بداية تُفهم على مهل. لستُ باحثًا عن بديل، ولا أرى في ميزان القرب اسمًا يوازي اسمك. وإن كان في قلبك خوفٌ لم أره كاملًا، فأنا لا أهرب من الخوف؛ أحاول أن أزرع فيه أمانًا، وأصبر حتى يطمئن. وإن كنتِ متعبة من ضجيج الحياة أو من ثقل التوقعات، فأنا لا أزيد الحمل، بل أُخفّف ما استطعت، لأنني أعلم أن الحب لا يعيش بالصوت العالي، بل بالسكينة واليقين.
لا أطلب أكثر من صدقٍ بسيط؛ أن يكون في قلبك شيء «ولو قليل» مما كان في قلبي يومًا. لأنني أعلم أن الحب حين يُبنى على الأمان، يكبر بلا استعجال، ويثبت بلا ضجيج. وأنا هنا، كما كنت، ثابتًا، ناضجًا، أقدّرك، وأؤمن أن ما كان بيننا لم يكن صدفة عابرة، بل معنى يستحق أن يُفهم، وربما أن يبدأ من جديد، بهدوء يليق بنا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا
.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا