الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مرسوم العفو العام بين النص الدستوري وحدود الشرعية
ضيا اسكندر
كاتب
2026 / 2 / 20
مواضيع وابحاث سياسية
أثار مرسوم العفو العام الذي أصدره رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع، موجة واسعة من الجدل القانوني والسياسي، وانصرف الاهتمام إلى مسألة الصلاحية الدستورية، أي إلى تحديد الطرف المخوَّل قانوناً بإقرار عفو عام، بوصفها النقطة التي يتوقف عليها توصيف المرسوم وآثاره.
وفق ما هو مُعلن في إطار المرحلة الانتقالية، فإن صلاحيات الرئيس الانتقالي محددة بنصوص الإعلان الدستوري.
وهذه الصلاحيات تتضمن حق العفو الخاص (المادة 40 منه)، أي إسقاط العقوبة عن شخص محدد بعد صدور حكم قضائي بحقه، أو تخفيفها.
أما العفو العام، فهو أمر مختلف جذرياً من الناحية القانونية؛ إذ لا يقتصر على إسقاط العقوبة، بل يزيل الصفة الجرمية عن الفعل ذاته، ويمحو آثاره القانونية، ويشمل فئات واسعة غير محصورة بأسماء محددة.
وهنا تكمن الإشكالية:
يُعدّ العفو العام من اختصاص السلطة التشريعية، كونه يمسّ النظام العام وحقوق المجتمع والضحايا، ويُعيد صياغة المسؤولية القانونية على نطاق واسع. وهو بطبيعته عملٌ تشريعي ذو أثر شامل يمتد إلى البنية القانونية برمّتها، ويترتب عليه تعديل في توصيف الأفعال وآثارها. لذلك استقرّ العمل الدستوري في أغلب الأنظمة على صدوره بقانون عن البرلمان، أو عن هيئة تأسيسية مخوّلة بممارسة سلطة التشريع.
في الحالة السورية الراهنة، لم يتم تشكيل مجلس شعب منتخب أو أي جسم تشريعي مكتمل الصلاحيات حتى الآن. وهذا الفراغ التشريعي لا يمنح السلطة التنفيذية تلقائياً حق الحلول محل السلطة التشريعية في القضايا الجوهرية، خاصة تلك التي تمسّ العدالة الانتقالية وحقوق المتضررين. فالأصل في السلطات الانتقالية أن تلتزم حرفياً بنصوص الإعلان الدستوري، لا أن تتوسع في تفسيرها أو تتجاوزها بذريعة الضرورة.
إن أي عفو عام يصدر عن الرئيس الانتقالي دون نصّ صريح يمنحه هذه الصلاحية يُعدّ - من الناحية القانونية البحتة - قراراً يفتقر إلى السند الدستوري.
وإذا كان الهدف سياسياً، هو تهدئة الأوضاع أو فتح صفحة جديدة، فإن الطريق القانوني لذلك يمرّ عبر أحد خيارين لا ثالث لهما:
1- تعديل الإعلان الدستوري بما يمنح الرئيس أو جهة محددة صلاحية إصدار عفو عام.
2- تشكيل جسم تشريعي مؤقت أو هيئة وطنية توافقية تتولى إصدار قانون عفو عام وفق آليات معلنة.
فالعفو العام ليس مجرد أداة سياسية، بل هو قرار يمسّ العدالة وحقوق الضحايا، وقد يترتب عليه إسقاط دعاوى عامة وتعويضات وحقوق شخصية. ومن هنا لا يجوز أن يُمنح بقرار فردي من السلطة التنفيذية، لأن في ذلك مساساً بمبدأ الفصل بين السلطات، وهو أحد أعمدة أي نظام دستوري، حتى في المراحل الانتقالية.
المسألة إذاً، تتعلق بمدى الالتزام بالأصول الدستورية التي تضبط حدود السلطة وصلاحياتها. فالشرعية في المراحل الانتقالية هشة بطبيعتها، وأي توسّع في الصلاحيات خارج النص يفتح باباً خطيراً لتكريس سوابق قد تُستخدم لاحقاً لتبرير تجاوزات أخرى.
إن بناء دولة قانون يبدأ من احترام حدود السلطة، لا من حسن نية استخدامها. والمرحلة الانتقالية - مهما كانت ضروراتها - لا تبرر القفز فوق النصوص، بل تستوجب الالتزام بها بدقة مضاعفة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل يُراد للعفو أن يكون خطوة نحو العدالة والاستقرار؟ أم أن تجاوز الأساس الدستوري سيحوّله إلى مادة نزاع جديدة تضيف ارتباكاً إلى مشهد سياسي مأزوم أصلاً؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. من التنف إلى حزب الله.. لماذا تتحرك إيران في سوريا الآن؟ | #
.. مشاهد جوية لحرائق الغابات في مدريد
.. شهداء ومصابون إثر غارة إسرائيلية استهدفت موكب تشييع وسط قطاع
.. فصل المقال | ماذا لو امتلكت إيران القنبلة النووية؟
.. عشرات المواقع تحترق.. ضربات أميركية مدمرة في إيران