الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قصة التطور —كيف نشأ الجنس الذكر والأنثى ... —حلمات الذكور عند الرجال

محسن عزالدين البكري

2026 / 2 / 20
الطب , والعلوم


......
في البداية كانت الحياة على الأرض أحادية الخلية، تتكاثر بلا جنس عن طريق الانقسام، أي إنتاج نسخ مطابقة من نفسها، وهذه الطريقة لم تولّد تنوعًا جينيًا مما جعل الكائنات عرضة للفناء عند أي تغير بيئي أو مرضي. لاحقًا ظهرت بعض الكائنات التي تبادل خلاياها أجزاءً من المادة الوراثية قبل الانقسام ما أنتج تنوعًا جينيًا، وفي هذه المرحلة لم يكن هناك ذكر ولا أنثى بل مجرد خلايا مختلفة قليلًا يمكن أن تندمج لتكوين نسل متنوع. ثم ظهر الاختلاف بين الأمشاج: بعض الكائنات بدأت تنتج خلايا كبيرة تحتوي على مخزون غذائي وهذه أصبحت لاحقًا البويضات وأسلافها هي ما أصبح يعرف لاحقًا بالإناث، وبعض الكائنات الأخرى أنتجت خلايا صغيرة وسريعة الحركة وهذه أصبحت لاحقًا النطاف وأسلافها هي ما أصبح يعرف لاحقًا بالذكور.

الأمشاج الكبيرة قليلة العدد، كبيرة الحجم، ثقيلة، غنية بالمواد الغذائية، وثمينة للبقاء لأنها تحتوي على كل ما يحتاجه النسل للنجاة بعد الاندماج، وحركتها بطيئة جدًا أو شبه معدومة، أما الأمشاج الصغيرة فهي كثيرة العدد، صغيرة الحجم، خفيفة، سريعة الحركة، لكنها ضعيفة وغير مضمونة للبقاء بمفردها وتعتمد على الأمشاج الكبيرة لإكمال وظيفة البقاء والتكاثر. وباختصار الكبير يراهن على الجودة والثبات، والصغير يراهن على السرعة والعدد، وهذان الأسلوبان هما أصل الانقسام بين الذكر والأنثى في كل الكائنات الجنسية تقريبًا.

في البداية لم يكن هذا تقسيمًا صارمًا، بل بعض الكائنات كانت تنتج النوعين معًا، ومع الوقت أصبح التخصص مفيدًا جدًا وترسخت الاستراتيجيتان التطوريتان: إستراتيجية “القليل الكبير الثقيل والثمين” للأنثى وإستراتيجية “الكثير الصغير الخفيف والسريع” للذكر. مع مرور الزمن تطورت هذه الاستراتيجيات في معظم الممالك التي تمارس التكاثر الجنسي بما في ذلك الطحالب والفطريات والطلائعيات والأسماك والبرمائيات والزواحف، وعند هذه الكائنات متعددة الخلايا بدأ يظهر تمايز واضح بين الذكر والأنثى، بعض الأفراد أنتجوا أعضاء لإنتاج الأمشاج الكبيرة وتوفير الغذاء للنسل وبعض الأفراد أنتجوا أعضاء لإنتاج الأمشاج الصغيرة ونقل المادة الوراثية بسرعة، وفي هذه المرحلة ظهر التحكم الهرموني البسيط الذي ينظم إنتاج الأمشاج ووظائف التكاثر.

الزواحف والطيور انفصلت قبل ظهور الثدييات، لذلك بقيت عندهم الغدد الجلدية الأساسية فقط ولم تتخصص لإطعام الصغار، بينما عند أسلاف الثدييات كانت الغدد الجلدية موجودة عند كلا الجنسين في صفوف على طول الصدر والبطن لأغراض عامة مثل الترطيب وحماية البيض وربما إفراز مواد أو روائح. لاحقًا تطورت بعض هذه الغدد عند الإناث لإفراز الحليب وإطعام الصغار. مع هذا التطور تم تقلص الصفوف إلى غدتين مركزيتين وظيفيتين للرضاعة عند الإناث تحت ضغط الانتقاء الطبيعي.

أما عند الذكور فلم يكن هناك ضغط انتقائي للحفاظ على الصفوف القديمة أو لتطوير وظيفة الرضاعة، فحدث التبسيط الجيني (genetic streamlining) أي اختصار الهياكل غير الضرورية لتقليل الكلفة الحيوية، ومع ذلك بقي المخطط البنيوي الأصلي محفوظًا في الشفرة الوراثية، ولهذا تظهر عندهم الحلمتان بلا وظيفة. وفي حالات نادرة يمكن أن تظهر أكثر من حلمتين على امتداد ما يُعرف بخط الحليب الجنيني، وتسمى هذه الحالة ارتكاسًا (atavism) لأنها تمثل إحياءً مؤقتًا لصفة قديمة من الأسلاف.

هذه الحلمات موجودة عند معظم الثدييات الذكور، بما في ذلك القطط والكلاب والقردة والخفافيش. عند القطط والكلاب، غالبًا لا تُلاحَظ الحلمات الإضافية أو صفوف الغدد القديمة بسبب اندفانها بين الشعر الكثيف، لكنها موجودة من الناحية التشريحية. أما في بعض الأنواع مثل الخيول والفيلة فلا تظهر حلمات الذكور بسبب تثبيط جنيني أقوى، لكن الأصل البنيوي للغدد لا يزال موجودًا في الشفرة الوراثية.

في الأجنة متعددة الخلاياونقصد الآن الثديات يبدأ تطور الحلمات عند الذكر والأنثى قبل التمايز الجنسي، ثم تتحكم الهرمونات الجنسية مثل التستوستيرون عند الذكور في تثبيط نمو أنسجة الثدي بعد تكون الحلمات، لذلك تبقى حلمات الذكور بلا وظيفة.

باختصار، الذكر والأنثى لم يكونا كيانين منفصلين من البداية، بل نشأا تدريجيًا من خلايا أحادية بدون جنس، ثم تطور الاختلاف بين الأمشاج الكبيرة والصغيرة، ثم ظهور أعضاء تناسلية متخصصة، ثم ظهور الغدد اللبنية عند الثدييات، ومع الزمن مارس التطور “التبسيط الجيني” فاختصر ما لا حاجة له من الصفوف القديمة عند الذكور والإناث على السواء، وما تبقّى من الحلمتين أو ما يظهر نادرًا كارتكاس هو أثر من هذا التاريخ التطوري الطويل.
.....
...
تحياتي: محسن عزالدين البكري








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - اسئلة بحاجة الى اجوبة
صباح ابراهيم ( 2026 / 2 / 20 - 19:26 )
حجم الخلايا المخزنة بالغذاء لا يحدد التخصص لتتحول الى خلايا انثوية وسرعة الحركة لا يمكن ان تنتج نطف ذكرية في التخصص الجنسي ، وإن كان كذلك فمن هو المتحكم في كل العمليات الحيوية ؟
علما ان الخلايا الأحادية لازالت موجودة الى الآن تتكاثر بالإنقسام، فلماذا لم تتطور الى خلايا متخصصة منتجة للنطف الذكرية والبويضات الإنثوية ؟
لماذا تفرز الغدد الثديية الحليب بعد الولادة مباشرة لتغذية الجنين، فمن اوعز لها هذا، هل لها عقول لتفهم ان الجنين خرج وبحاجة الى غذاء ؟
من صنع غذاء الجنين كامل التركيب وصالح لنمو الجسم في الإنسان والحيوانات ؟ الصدفة ام العشوائية ؟
لماذا لا يولد الجنين البشري ومعه اسنانه كاملة ؟ اي عقل داخل الخلايا تحكم بهذا ؟ ولماذا البشر وحده ينطق بلغة من دون سائر الأحياء ؟
لازالت القرود موجودة منذ ملايين السنين فلماذا لم تتطور الى بشر ، ولا تنطق بلغة مثل ألإنسان اليسوا هم اعمام واصل الإنسان كما تزعمون ؟


2 - اجب ولا تهمل الأسئلة
صباح ابراهيم ( 2026 / 2 / 21 - 11:05 )
لماذا نشأت وظيفة التطور الإيجابي نحو التطور المفيد لصالح الكائن الحي كالتخصص في انتاج اجهزة التناسل والهرمونات، ولم تتجه نحو التطور السلبي بإظهار صفات تطورية ردئية عند الكائن الحي ،فهل لدى الخلايا عقول تختار الأفضل الإيجابي لها، ولا تتجه نحو التطور السلبي ؟
- لماذا نشأت ظاهرة العاطفة واحتضان البيض و تغذية الفراخ عند الطيور وهي حيوانات لا عقل مفكر لها ؟ من علمها جلب الطعام وخزنه في جسمها ثم اعادته الى فمها لتغذية الصغار ؟

من علم الحيوانات غريزة الدفاع عن فراخها و نسلها ضد الحيوانات المعتدية ؟ وكيف نشأت الغرائز في خلايا العقل بلا خالق مسيطر على النمو والتطور والحياة ؟
لازلت انتظر اجاباتك ايها الكاتب المحترم

اخر الافلام

.. لعنة ولاية فرجينيا الغربية | أطلس الأماكن المشؤومة | ناشونال


.. هل يستطيع الذكاء الاصطناعي كشف سرطان الجلد؟ | مجلة الصحة




.. مركز تايلوس الطبي يفتح أبوابه.. مركز متخصص في علاج الصداع بخ


.. أميركا تكشف موعد عودة تدفقات النفط لمسارها الطبيعي




.. مالي تدعم المغرب في تطبيق الحكم الذاتي في الصحراء الغربية