الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عن الطوفان واشياء أخرى (56)
محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
2026 / 2 / 21
القضية الفلسطينية
بعد نحو ثلاثة أسابيع من "طوفان الأقصى"، أجرت ليلى شهيد مقابلة مع صحيفة "لو مانيتيه" (L Humanité) الفرنسية (26 تشرين الأول 2023)*. وقد جاءت هذه المقابلة في سياق التطورات المتسارعة، وحملت عنوان: "ليلى شهيد: إنه منعطف حقيقي في تاريخ فلسطين".
تطرح المقابلة إشكالية بنيوية تتعلق بهُوية الخطاب الدبلوماسي الفلسطيني -ناهيك عن ابتذال سرديته- وقدرته على تمثيل واقع الصراع. فبينما تحاول ليلى شهيد التموضع داخل أطر "القانون الدولي" لكسب شرعية متخيلة في الفضاء الأوروبي، يسقط خطابها في فخاخ معرفية وسياسية تفتت جوهر القضية؛ وهو خطاب -علاوة على ركاكته- يمكن دحضه جدلياً عبر عدة محاور:
-مغالطة التوصيف القانوني و"أنسنة" البنية الاستعمارية:
ترتكز الحجة على وصف السابع من تشرين الأول بــ "جريمة حرب" استناداً إلى استهداف "المدنيين الإسرائيليين". غير أنها تغفل الطبيعة "المركبة" للمجتمع الاستيطاني في فلسطين؛ فالمستوطن في الفكر الاستعماري الإحلالي ليس "مدنياً" بالمعنى التقليدي، بل هو "وحدة وظيفية" في منظومة السيطرة، ومحرك أساسي في عملية الاغتصاب المكاني. إن إضفاء صفة "المدني الصرف" على المستوطن تزييف للوعي التاريخي، ونفي لصفة "العدوان المستمر" التي يجسدها وجوده على أرضٍ طرد منها أهلها بالقوة. ومن ثمَّ، فإن حصر الفعل الفلسطيني في إطار "الجريمة" يجرده من سياقه كفعل "مقاومة وجودية" ضد بنية عسكرية شاملة.
- الميوعة في تبني "المعايير المزدوجة" كأداة نضالية:
محاولة استخدام مصطلح "جريمة حرب" كـ "تكتيك" لإحراج الغرب، علماً أن هذه المنظومة القانونية الغربية ذاتها صممت أساساً لحماية القوي وشرعنة هيمنته. وعلى هذا، يخدم القبول بمبدأ "المساواة الأخلاقية" بين عنف المستعمَر وعنف المستعمِر السردية الصهيونية؛ إذ يحول "رد الفعل" الاضطراري إلى "فعل إجرامي" موازٍ، مما يمنح الاحتلال الذريعة الأخلاقية والقانونية لممارسة "حق الدفاع عن النفس" المزعوم. في الحقيقة، يمثل هذا الموقف خيانة للواقع؛ فالقانون الدولي مجرد "أداة استعمارية" تستخدم لتقييد الضحية ومنح الجلاد غطاء أخلاقياً للانتقام. وعندما تتبنى الضحية لغة خصمها لإرضاء العالم، فهي تخسر سلاحها الوحيد؛ أي شرعية الغضب والمقاومة، وتتحول إلى طرف يقدم مبررات مجانية لقتلها وتصفية قضيتها. هذا هو جوهر المأزق في خطاب ليلى شهيد؛ فـإسرائيل لا تحتاج مبررات للانتقام، وهي تمارسه منذ العام 1948، لكن صدور الاعتراف بـ "وقوع جريمة" عن طرف فلسطيني يستخدم دولياً لشرعنة تدمير غزة.
-اغتراب النخبة الدبلوماسية عن الواقع الوجودي:
يظهر الخطاب كنموذج لـ "الانهزامية الدبلوماسية" التي تقدم "جماليات الخطاب" في الصالونات السياسية الأوروبية على "حقيقة الميدان". إن محاولة استرضاء الضمير الغربي عبر "تأديب الضحية" والاعتذار عن غضبها يكرس حالة الاغتراب بين النخبة والقاعدة الشعبية. فبينما يواجه الفلسطيني في غزة والضفة تصفية شاملة، تذهب الدبلوماسية لـ "سد الذرائع" والاعتذار عن "الوسائل"، متناسية إجهاض الاحتلال لكل وسيلة سلمية، وأن القانون الدولي الذي تستجدي نصرته هو الذي شرعن اغتصاب فلسطين منذ قرار التقسيم.
- فشل استراتيجية التدجين:
قد يزعم البعض أن القضية الفلسطينية "محاصرة" دولياً، مما يتطلب التحدث بلغة القانون الدولي. ولكن الحجة التي تدعي أن هذا الخطاب "يحمي الرواية الفلسطينية" دحضتها الوقائع؛ فإدانات النخب الفلسطينية لم تمنع القوى الغربية من دعم الإبادة الجماعية، بل استثمرت لتعزيز "المظلومية الإسرائيلية". وبناء عليه، يمثل موقف ليلى شهيد ارتداداً عن ثوابت الفكر التحرري نحو "دبلوماسية الاعتذار"؛ وهي مقاربة لم تنتج سوى مزيد من التآكل في الموقف الوطني.
يكشف تفكيك هذا الخطاب عن ضرورة العودة إلى الأبجديات؛ باتجاه صياغة سردية فلسطينية متماسكة ترفض مساواة الضحية بالجلاد، وتضع "حق المقاومة" فوق كل اعتبار قانوني مشروط بضمانات المستعمِر. فالأصل في القول إن المقاومة لا تحتاج "تغطية قانونية" من منظومة استعمارية، بل تحتاج خطاباً تحررياً يرفض منطق "الاعتذار" ويتمسك بشرعية النضال بأشكاله كافة، كحق طبيعي وتاريخي يتجاوز القوانين التي صاغها المستعمِر.
للأسف، بدلاً من أن تكون ليلى شهيد صوتاً يشرح للعالم حتمية انفجار المقهور، قدمت بحديثها "صك براءة" مجانياً للاحتلال. فعندما يصف شخص بوزنها فعل المقاومة بـ "جريمة حرب"، فإنه يمنح "الهسبارا" الإسرائيلية "المستند القانوني" اللازم لتسويق حرب الإبادة كـ "رد فعل مشروع" أمام الرأي العام العالمي.
.............
*نص المقابلة بالفرنسية https://www.humanite.fr/monde/bande-de-gaza/leila-shahid-cest-un-veritable-tournant-dans-lhistoire-de-la-palestine?fbclid=IwdGRjcAQFe4djbGNrBAV7gGV4dG4DYWVtAjExAHNydGMGYXBwX2lkDDM1MDY4NTUzMTcyOAABHlIdR9ccMZKFGZ2FI4O3vIXLvKGl0DLm3UYDSbG3r8hJyw51DCziVbyphN36_aem_-d9ZkUc2_HyMg4r4lCViAA
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الحر الشديد.. كيف يؤثر على نومنا؟ • فرانس 24 / FRANCE 24
.. جهاز قطر للاستثمار يجسد رؤية الأمير الوالد لتنويع مصادر الدخ
.. تصاعد أعمدة الدخان من موقع تعرض لغارات في محافظة بوشهر جنوبي
.. كيف غيرت رؤية الأمير الوالد الاستشرافية خريطة الإعلام العربي
.. التصعيد الأمريكي الإيراني يعيد رسم معادلات الأمن في الخليج