الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الخوف من الحرية: لماذا يختار العربي القيد؟
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 2 / 21
قضايا ثقافية
في كثير من الأحيان، لا يُقمع العربي فقط من الخارج، بل من داخله أيضًا. الخوف ينسج شبكة غير مرئية حول الفكر والقرار، تجعل الصمت يبدو أمانًا، والحرية مخاطرةً مستحيلة. هذا المقال يحاول فهم كيف أصبح القيد أسهل من الاختيار، ولماذا يختار الإنسان العيش ضمن خوفه أكثر من مواجهة نفسه واختياراته.
لم يخسر العربي فقط أمام السلطة، بل حين اقتنع أن الصمت أمانٌ وحكمة. لم تكن القوة دائمًا في يد الحاكم، لكن الخوف كان أثقل أثرًا. والسؤال الذي نتجنبه ليس: لماذا يُقمع العربي؟ بل: لماذا يتعايش مع القمع وكأنه قدر محتوم؟ ولماذا تبدو الحرية مخاطرةً أكبر من القيد؟
القمع الخارجي مفهومٌ؛ سلطةٌ تقيّد، وقوانين تضبط، وأجهزة تراقب. لكن الأخطر هو القمع الداخلي حين يتحول الخوف إلى رقيب ذاتي، وحين يصبح الإنسان حارسًا على أفكاره قبل أن يكون أحد رقيبًا عليه. هنا لا تعود المشكلة في العصا، بل في اليد التي اعتادت الانحناء مبكرًا.
منذ الطفولة يُربى كثيرون على الطاعة قبل الفهم، وعلى الامتثال قبل السؤال. تُقدّم الجرأة تهورًا، ويُوصم الاختلاف خروجًا عن الصف. تُزرع مفاهيم مثل "العيب" و"السمعة" زراعةً عميقةً في الوعي، فتتحول قيودًا غير مرئية تضبط السلوك ضبطًا صارمًا. ومع الوقت لا يعود الخوف مفروضًا من الخارج، بل يصبح جزءًا أصيلًا من البنية النفسية والاجتماعية.
الأخطر أن القمع لا يبقى صريحًا دائمًا، بل يُعاد إنتاجه بأسماء أخرى: استقرارًا، أو أمنًا، أو تجنبًا للفوضى. يُبرر التضييق ضرورةً، ويُصوّر الصمت حكمةً، ويُختزل النقاش ثنائيةً حادةً: إما الفوضى وإما الطاعة. وبين الحدين يضيع خيارٌ ثالثٌ هو الحرية المسؤولة.
الحرية ليست شعارًا رومانسيًا، بل مسؤولية ثقيلة. أن تكون حرًا يعني أن تختار اختيارًا واعيًا، وأن تتحمل نتيجة كاملة، وأن تعترف بخطأ إن وقع. الحرية تسقط عنك عذرًا جاهزًا مثل: "لم أكن أملك خيارًا". لذلك قد تبدو الحرية مخيفة أكثر من القيد؛ لأن القيد يمنحك راحة زائفة ويعفيك من قرار صعب.
في لحظات تاريخية كثيرة لم تكن المشكلة غياب فرصة، بل غياب جرأة. الخوف المتراكم يصنع إنسانًا مترددًا حتى حين تُفتح الأبواب فتحًا واسعًا. يتعلم الناس التكيف طويلًا مع القيود، ثم يصبح الخروج عنها مغامرة غير مأمونة. وهكذا يتحول القيد عادة، وتتحول العادة قناعة.
ولا يمكن إعفاء النخبة الثقافية إعفاء كاملًا من المسؤولية. فالمثقف الذي يكتب بصوت خافت، أو يختبئ خلف تعميم رمادي، أو يكتفي بوصف الواقع دون مساءلة جادة، يسهم في ترسيخ ثقافة الحذر. الجرأة ليست صراخًا، لكنها ليست صمتًا دائمًا كذلك.
الخوف شعور إنساني طبيعي، لكنه يصبح خطرًا حين يتحول مرجعية عليا تحكم كل قرار. والمجتمعات التي تبني استقرارها خوفًا تدفع ثمنًا مؤجلًا في الإبداع، وفي المبادرة، وفي الثقة بالنفس. الحرية ليست فوضى حتمية، كما أن القمع ليس نظامًا مضمونًا.
ربما آن الأوان لطرح السؤال طرحًا صريحًا: هل نخاف الحرية لأننا لم نتعلم ممارستها حقًا؟ أم لأننا اعتدنا الخوف اعتيادًا طويلًا حتى أصبح جزءًا من تعريفنا لأنفسنا؟
الحرية ليست عدوًا. العدو الحقيقي هو الاعتياد الطويل على الخوف، حتى يغدو صمتًا داخليًا يحكمنا أكثر مما تحكمنا أي سلطة خارجية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بين التفاوض والتصعيد.. إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية جنوب
.. واشنطن تعلن مقتل جنديين بالأردن وترد باستهداف قوات تابعة للح
.. القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط.. من أين تنطلق العمليات ال
.. أسواق الطاقة تحت الضغط بعد أسبوع من التصعيد وتعطل الملاحة في
.. نشرة إخبارية | الكويت تتصدى لهجمات صاروخية إيرانية.. وواشنطن