الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السوق والدولة
إكرام فكري
2026 / 2 / 21الادارة و الاقتصاد
كان العالم، في لحظة حاسمة من تاريخه الحديث، واقفاً أمام وعدَين عظيمين: وعدُ الاشتراكية بأن نكون جميعاً شركاء في الرزق والعمل، فلا يُترك أحد على الهامش؛ ووعدُ الرأسمالية بأن الاجتهاد الفردي كفيل بأن يفتح لصاحبه أبواب العالم. غير أن ما جرى لم يكن تحقيقاً كاملاً لأيٍّ من الوعدين، بل انزلاقاً هادئاً حوّلهما إلى ما يشبه “كوابيس ناعمة” تُدار بآليات معقّدة لا تُرى بسهولة.
في التجربة الرأسمالية، لم يعد “السوق الحر” فضاءً للمغامرة الخلّاقة كما بشّرت به النصوص الكلاسيكية لرواد مثل آدم سميث، بل تحوّل تدريجياً إلى سجنٍ أنيق الجدران. لم تعد الحرية الاقتصادية تعني ببساطة حق المبادرة، بل صارت مشروطة بالقدرة على تحمّل الدَّين. التعليم الجيد، السكن اللائق، العلاج الضروري — وهي شروط الحياة الكريمة — تحولت إلى بواباتٍ نحو التزامات مالية طويلة الأمد. يدخل الشاب الحياة مثقلاً بقروض قبل أن تتكوّن له فرصة حقيقية لبناء ذاته. يعمل لا ليؤسس مستقبلاً، بل ليسدّد أثمان ماضٍ استدانه ليعيش الحد الأدنى. وهكذا لم يعد الإنسان “صانعاً” بقدر ما صار “مستهلكاً دائماً”، زبوناً للبنوك، ومورداً لبياناته في اقتصادٍ رقميٍّ يحوّل الانتباه إلى سلعة.
أما في التجارب التي تبنّت الاشتراكية، متأثرة بأفكار كارل ماركس، فقد حدث انحراف من نوع آخر. الفكرة التي بشّرت بتمكين العمال من أدوات الإنتاج انتهت، في بعض السياقات، إلى تركّز السلطة في يد جهاز بيروقراطي مركزي. لم يمتلك العمال المصانع، بل امتلكتهم الإدارة. تحوّل النظام إلى ما يشبه شركة عملاقة تديرها الدولة، والموظف فيها مجرد ترس صغير في آلة ضخمة. الراتب مضمون، نعم، لكنه محدود الأفق؛ والطموح يذبل لأن “المساواة” تحولت إلى مساواة في السقف المنخفض لا في الارتقاء المشترك. لم يعد السؤال: كم تستطيع أن تبدع؟ بل: إلى أي مدى تلتزم بالقواعد؟ وهكذا انكمشت الأحلام من تغيير العالم إلى انتظار ترقية إدارية أو دعم حكومي.
غير أن المأساة تتجلّى بأوضح صورها في النماذج الهجينة التي جمعت أسوأ ما في الطرفين. أنظمة تأخذ من الاشتراكية ثقل البيروقراطية وتعقيد المساطر، وتأخذ من الرأسمالية منطق الأسعار المنفلتة وخصخصة الخدمات الأساسية. في هذا الواقع، يجد الشاب نفسه محاصراً بين جدارين: إن أراد أن يؤسس مشروعاً، اصطدم بمتاهة التراخيص والانتظار؛ وإن أراد تعليماً جيداً أو علاجاً لائقاً، صدمته كلفة الحياة الباهظة. هنا، لا يشعر الفرد بأنه مواطن فاعل ولا مستثمر حرّ، بل كيانٌ معلّق بين أن يكون “رقماً” في أرشيف دولة جامدة، أو “سلعة” في سوق لا يعرف الرحمة.
غير أن الإشكال الأعمق ربما لا يكمن في فشل هذا المعسكر أو ذاك، بل في الإيمان الساذج بأن أيَّ نظامٍ اقتصادي قادر، بذاته، على إنقاذ الإنسان من هشاشته الوجودية. الاشتراكية حين تحولت إلى جهازٍ فوقيٍّ يضبط كل شيء، قتلت روح المبادرة. والرأسمالية حين أُطلقت بلا ضوابط أخلاقية، حولت الحرية إلى قدرة على الشراء لا إلى قدرة على الاختيار. في الحالتين، تم اختزال الإنسان: مرة إلى ترس في آلة الدولة، ومرة إلى مستهلك في آلة السوق.
لعل الأفق الثالث لا يقوم على استبدال نظام بآخر، بل على إعادة تعريف مركز الثقل: أن يكون الإنسان، لا السوق ولا الدولة، هو الغاية. اقتصادٌ يعترف بأن الكرامة ليست سلعة، وأن التعليم والصحة والسكن ليست امتيازات مرتبطة بالقدرة الشرائية، بل شروطاً أولية للمواطنة. ونظامٌ يسمح بالمبادرة الفردية دون أن يترك الضعفاء فريسة المنافسة العمياء، ويضمن الحماية الاجتماعية دون أن يخنق الطموح.
هذا الأفق ليس شعاراً سياسياً بقدر ما هو تحوّل في الوعي: من سؤال “أيّ نظام نختار؟” إلى سؤال “أيّ إنسان نريد أن نكون؟”. فالأنظمة تُصاغ وفق القيم السائدة، وإذا بقيت القيم أسيرة الجشع أو الخوف، فلن ينتج عنها سوى نسخٍ معدّلة من الكابوس نفسه.
ربما تبدأ القطيعة الحقيقية حين نرفض أن نكون مجرد أرقام في تقارير النمو، أو مجرد زبائن في نشرات الأرباح. حين نطالب بنظامٍ يُقاس نجاحه لا بارتفاع المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل بانخفاض القلق، واتساع الأمل، وإمكانية أن يحلم الشاب دون أن يرهن حياته مسبقاً. عندها فقط يمكن للوعد القديم — بالعدالة أو بالحرية — أن يستعيد معناه، لا كدعايةٍ أيديولوجية، بل كشرطٍ إنسانيٍّ أولي
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قراءة اقتصادية.. سيناريوهات أسعار النفط بعد إغلاق هرمز وعودة
.. قراءة اقتصادية.. أزمة هرمز تهدد الأسواق العالمية وتنعكس على
.. برفقة 12 وزيرا.. رئيس الوزراء الفرنسي يبدأ زيارة إلى المغرب،
.. قراءة اقتصادية | كيف يؤثر إغلاق هرمز على حركة السفر في أوروب
.. رئيس وزراء العراق في واشنطن.. شراكة اقتصادية وضغوط لحسم ملف