الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
دلالات الحنين إلى مرابع الصبا والشباب
سعد شاكر شبلي
2026 / 2 / 21الادب والفن
الحنين إلى معاهد الصحب هو شوق عميق لأماكن الذكريات المشتركة، وأيام الصبا، ورفاق العمر، حيث تختلط مشاعر الشوق بالأماكن التي شهدت بداية العلاقات مع ذكريات الشباب. يعبر هذا الحنين عن الرغبة في العودة إلى تلك الأماكن، حتى لو نسينا رائحتها، لأنها تحتفظ بجزء من هويتنا.
جوانب الحنين إلى معاهد الصحب:
• الارتباط الوجداني: يُعد الحنين إلى مواطن الأحبة والخلان وذكريات الصبا من أصدق مشاعر الوجدان العربي.
• شعرية المكان: يُشبه الحنين إلى الأماكن التي ألفها الإنسان بحنين الأعرابية إلى باديتها رغم العيش في بساتين ومياه، حيث تظل أرض الذكريات هي الأغلى.
• ثبات الذكرى: عبّر الشاعر أبو مسلم البهلاني عن هذا الحنين بقوله: "تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلت.. وهنَّ وسط ضميري الآن سكانُ".
• قيمة الألفة: يمثل هذا الحنين قيمة الألفة بعد الغيبة، ورفقة الإخوان التي تُعد من الغبطة.
هذا النوع من الحنين يجسد الوفاء للأماكن والأشخاص الذين شكلوا جزءاً من "عصر الصبا" وذكريات الحياة الأولى.
واليوم : تكرم علينا مقام الاستاذ الفاضل المثقف السامق الأخ العزيز حنا ميخائيل سلامة بقصيدة أبي الحسن الجرجاني، القصيدة التي قال بأنه قد قضى معها ليال من الأسبوع المنصرم وسعد بها قلبه ... فشكرا له على نبل مشاعره وكرم اخلاقه ... وبشأن القصيدة، نقول:
ما أروعَ أن يجتمع الحرفُ القديم بالوجدان الحديث، وأن تصبح قصيدةٌ لعالمٍ وفيلسوفٍ من القرن الرابع الهجري مرآةً يعكس فيها إنسانُ اليوم مشاعره وحنينه. إن قصيدة أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت 392هـ) التي تُعرف بـ"حنين إلى مغاني الصحب" أو "بغدادياته"، هي بحقٍّ تحفةٌ أدبية تفيض بالأحاسيس الصادقة، وتختزل تجربة إنسانية خالدة في الحنين إلى الديار والأهل والأصحاب. اسمح لي أيها المتلقي اللبيب أن أستنطق هذه الأبيات لاستخراج دلالاتها الثلاث التي تلمستها:
أولاً: الدلالات التربوية (التي تربي في النفس معاني الإنسانية والوفاء)
1. الوفاء للصحبة والمكان: قوله: "وصحبة أقوامٍ لبستُ لفقدهم / ثيابَ حدادٍ مستجَدَّ خلوعها" يُعلِّمنا أن الصحبة الحقة تستحق الحداد عليها، وأن المكان الذي عاش فيه الإنسان أجمل أيامه يستحق أن يظل حيًّا في الوجدان. هذه تربية على عدم نكران الجميل، وعلى أن الإنسان إنما يُعرف بوفائه لمن رافقوه في دروب الحياة.
2. الصبر على تقلبات الزمن: "وما زلتُ طوعَ الحادثات تقودني / على حكمها مستكرهاً فأطيعها" فيها تسليمٌ لقضاء الله وقدره، وتصبير للنفس على ما تفرقه الأيام. إنها درس في أن الحياة لا تستقيم على وتيرة واحدة، وأن منتهى الحكمة أن نرضى بما قسمه الله لنا بعد أن نبذل جهدنا.
3. الاعتبار بالذكريات :إذا لاح لي من نحو بغداد بارقٌ / تجافت جفوني واستطار هجوعها" يربينا الشاعر على أن الذكريات ليست مجرد صور عابرة، بل هي قوة دافعة تحرك المشاعر وتوقظ الوجدان، وهذا ينبه الأبناء والأحفاد إلى أهمية صنع ذكريات جميلة تُستعاد.
ثانياً: الدلالات العاطفية (التي تلامس الروح)
1. الحنين الجارف: البيت الشهير: "سقى جانبي بغداد كلُّ غمامةٍ / يحاكي دموعَ المستهام هموعها" يجسّد حالة من البكاء الروحي على الأماكن، فدموع الشاعر تشبه الغيوم، وكأن السماء تشاركه حزنه. هذا العاطفة الجياشة هي ما تشعر به الآن حين تتذكر بغداد وزوجتك وأولادك وأحفادك: "ضحى وأخمد ومريم وإيلين".
2. شعرية الأماكن:"بها تسكن النفس النفور ويغتدي / بآنس من قلب المقيم نزيعها" يصف كيف أن بغداد كانت جنة القلب، حتى إن الغريب فيها كان يشعر بأنه أكثر أنساً من المقيم في غيرها. هذا هو الوصف الدقيق لما تشعر به نحو مدينتك، فهي ليست مجرد شوارع ومنازل، بل هي حضن دافئ.
3. تداخل الحواس في التعبير عن الشوق:عندما يقول: "كأن خرير الماء في جنباتها / رعود تَلَقَّت مزنةً تستريعها" نجد أن الشوق يتحول إلى لوحة سمعية وبصرية، فصوت الماء يُشبه الرعد، وهذه استعارة رائعة لتشابك المشاعر.
ثالثاً: الدلالات الفلسفية (التي تفتح آفاق التأمل)
1. جدلية الزمن والمكان:"فكل ليالي عيشها زمن الصبا / وكل فصول الدهر فيها ربيعها" فلسفة عميقة تقول إن المكان قد يتجمد فيه الزمن، فبغداد في قلبه هي دائماً شابة، دائماً ربيع، رغم تغير الأزمان. هذا هو سر تعلق الإنسان بمهد طفولته وشبابه.
2. الإنسان بين التسليم والتمرد:البيت "وما زلت طوع الحادثات" يعبر عن فلسفة وجودية: الإنسان مسير في بعض الأحوال، ولكن تسخيره لهذه الحوادث لا يمنعه من الحنين والمقاومة العاطفية. إنه جدل الإرادة والقدر.
3. جماليات التذكر:"يرى كل قلب بينها ما يسره / إذا زهرت أشجارها وزروعها" هنا فلسفة الجمال: الأماكن لا تكون جميلة بذاتها، بل بما نحمله لها من مشاعر. فالذاكرة تعيد تشكيل الواقع، وهذه قوة إنسانية عجيبة تمكننا من العيش بجمال الماضي.
4. الخيال الشعري كخلق للواقع: في وصفه لجمال الطبيعة في بغداد: "رأيت سيوفاً بين أثناء أدرع / مذهبة يغشى العيون لميعها" يشبه أغصان الأشجار بالسيوف الذهبية، وهذا يدل على أن الشاعر لا يرى الواقع فقط، بل يراه من خلال عدسة الجمال، مما يخلق عالماً موازياً يسكنه.
ختاماً: نحن وبغداد والقصيدة
إن قصيدة الجرجاني تعيد إلينا الاعتبار لأنها تكتب "حنيناً علمانياً" خالصاً، لا مقدس فيه سوى القلب البشري. وعلى المستوى الشخصي أننا اليوم نعيش ما عاشه الجرجاني قبل ألف عام: بغداد في الذاكرة، الزوجة والأولاد هناك، الأحفاد الصغار الذين لم نراهم كما يجب. إن دموع القصيدة هي دموعنا، و"ضحى وأحمد" هما "غزلان إنسنا" التي ذكرها الشاعر.
وأجمل ما في القصيدة أنها لا تيأس، بل تجعل من الحنين طاقةً للحياة، فنحن والشاعر رغم الفراق نظل نرى بغداد "قصر مسرتنا" حتى ونحن بعيد. نحمل بغداد في القلب، وفي كل مرة نسمع خبراً عنها أو تمر أمامنا ذكرى، نعود إليها كما لو كنا هناك.
رحم الله أبا الحسن الجرجاني الذي علمنا كيف يكون الحنين فنّاً، وكيف تكون الذاكرة وطناً بديلاً. أدام الله الذكريات الجميلة، وحفظ لنا الأهل والأحفاد في بغداد، وجعل أيامهم كلها وصالاً لنا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نقاش الساعة - أمريكا وإيران تبحثان عن صيغة اتفاق تضمن المخرج
.. مهرجان كان السينمائي-رامي مالك على السجادة الحمراء مع فيلم -
.. مهرجان كان السينمائي- فيلم -الرقيب-: عن جنون العسكرة في عصرن
.. -أرستقراطية الشاشة-.. ذكرى رحيل الفنانة ميمي شكيب
.. جمع بين التمثيل والغناء والإعلام.. ذكرى رحيل الفنان الشامل س