الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الانسان بطبعه يحب أن ينتصر لنفسه

للاإيمان الشباني

2026 / 2 / 22
قضايا ثقافية


هناك آيات تمرّ على السمع مراتٍ كثيرة، لكن في لحظة صفاء مخصوصة تتبدّل علاقتنا بها، كأنها نزلت لتوّها على قلوبنا، تخاطبنا وحدنا، وتكشف لنا معنى لم نكن نلتفت إليه من قبل. من تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ۝ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. آية قصيرة في مبناها، واسعة في معناها، تفتح أمام الإنسان أفقًا جديدًا لفهم الصبر ومقامه في بناء النفس وترقية السلوك.
تأتي هذه الآية في سياق الحديث عن دفع السيئة بالحسنة، وعن تحويل العداوة إلى مودة، وعن قدرة الإنسان على أن يرتفع فوق دوافع الغضب وردود الفعل السريعة، حين تُساء إليك النفس تميل إلى المقابلة بالمثل، وحين تُجرح الكرامة يتقدّم الصوت الداخلي المطالب بالانتصار الفوري، تتدخل الآية لتضع معيارًا مختلفًا للقوة، معيارًا لا يقيس الأمور بحجم الرد، وإنما بعمق السيطرة على النفس. ليس كل أحد يستطيع أن يدفع السيئة بالحسنة، وليس كل من عرف الفضيلة استطاع أن يثبت عليها ساعة الامتحان.
قول الله تعالى ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ يشير إلى أن هذا المقام عطية تُلقى في قلوب تدرّبت على الاحتمال، وتهذّبت بالصبر، وتربّت على كبح جماح الانفعال. الصبر هنا ليس سكوتًا عن ظلم ولا استسلامًا للضعف، وإنما هو وعيٌ عميق بأن ردّ الفعل السريع قد يريح النفس لحظة، ثم يورثها ندمًا طويلًا. هو قدرة على تأجيل الغضب، وعلى إفساح المجال للعقل أن يتقدّم، وعلى منح القلب فرصة ليرى الصورة كاملة قبل أن يحكم.
ثم تأتي الجملة التالية لتزيد المعنى إشراقًا: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. كأن الصبر علامة على نصيب وافر من الخير، وعلى توفيق خاص يمنحه الله لمن أعدّ نفسه لذلك. الحظ العظيم ليس مالًا ولا جاهًا ولا شهرة، وإنما هو سكينة في القلب، ورجاحة في العقل، وقدرة على تحويل المواقف المؤلمة إلى درجات في سلم الارتقاء الروحي.
في حياتنا اليومية تتكرر المواقف التي تختبر صدق علاقتنا بهذه الآية. في البيت حين يشتد الخلاف، في العمل حين يساء الفهم، في الطريق حين نستفز بكلمة أو إشارة، في وسائل التواصل حين تتكاثر الأصوات المتعارضة. كل لحظة من هذه اللحظات فرصة لأن نسأل أنفسنا: هل سنكون من الذين يلقّون هذه الخصلة، أم سننقاد لاندفاع عابر؟ الصبر ممارسة دقيقة تتجدد في كل موقف.
الإنسان بطبعه يحب أن ينتصر لنفسه، ويحب أن يُسمع صوته، ويخشى أن يُظن به الضعف إذا اختار الرفق. الآية تعيد تعريف القوة، فتجعلها في القدرة على التحكم في النفس، وفي احتمال الأذى دون أن يتحول القلب إلى ساحة كراهية. من يصبر لا يخسر، وإنما يؤجل المكافأة إلى مستوى أعمق، حيث صفاء الضمير ورضا الله. ومن يعفو لا يُهزم، وإنما ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره، هو ثمرة تربية طويلة، يبدأ بمجاهدة صغيرة، بكلمة كُظمت، بغضب أُطفئ، بخطأ غُفر، بظن حُمل على أحسن الوجوه. مع كل مرة يختار الإنسان فيها الطريق الأصعب، طريق الإحسان بدل المقابلة، يقترب خطوة من أن يكون ذا حظ عظيم. ومع كل مرة يراجع نفسه بعد انفعال، ويتعلم من خطئه، يبني في داخله أساسًا متينًا لهذا الخلق الرفيع.
حين نتأمل الآية بعمق ندرك أنها لا تخاطب حالة استثنائية، وإنما ترسم منهج حياة. تدعونا إلى أن نرتقي بعلاقاتنا، وأن نطهّر قلوبنا من سرعة الحكم، وأن نمنح الآخرين فرصة كما نحب أن نُمنح. تجعلنا نرى في كل أذى احتمالًا للنمو، وفي كل استفزاز فرصة للتزكية. وتفتح أمامنا أفقًا من الأمل، إذ تربط بين الصبر والحظ العظيم، بين المجاهدة والتوفيق، بين الثبات والرفعة.
هكذا تتحول الآية من كلمات تُتلى إلى نورٍ يُهتدى به في تفاصيل الحياة. تبقى تتردد في القلب كلما اشتد الموقف، تذكّر بأن الطريق الأعلى مفتوح، وأن الوصول إليه ممكن لمن صبر. ومن ذاق طعم هذا المقام عرف أن أعظم الانتصارات تقع في صمت النفس حين تختار الصبر على غيره.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هجمات أميركية لا تتوقف على إيران.. هل عاد ترامب لاستراتيجية


.. محاولة فهم | بعد عقد من الانقلاب الفاشل.. كيف تغيرت تركيا؟




.. قراءة عسكرية.. التصعيد يتسارع والعمق الإيراني يدخل دائرة الا


.. خارج الصندوق | الحكومة العراقية: دولتنا كاملة السيادة وحصر ا




.. فرنسا: ما أسباب الجدل حول قانون -المساعدة على إنهاء الحياة-