الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عن الطوفان وأشياء اخرى (57)

محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)

2026 / 2 / 23
القضية الفلسطينية


مهرجان برلين: حين يتحول الفن إلى جهاز أسر
يستحق مهرجان برلين السينمائي وقفة أعمق؛ لأن ألمانيا تمثل اليوم المختبر الأكبر لتأميم الذاكرة، وحيث يتحول الفن من مساحة للحرية إلى مساحة تخدم السردية الرسمية للدولة. وهو بهذا المعنى يتحول من فضاء كوني إلى "غيتو ثقافي" يمنح حق الكلام لسردية محددة بعينها، ويرمي غيرها في غياهب "فراغ رمادي" لا حدود له ولا أبعاد. وفي هذا الصدد، يواجه الخطاب المناصر للقضية الفلسطينية اليوم مأزقاً معرفيّاً يتمثل في الركون المفرط إلى "اللغة القانونية" هرباً من "الاستحقاق الفلسفي"؛ فالهروب نحو أروقة القانون الدولي، رغم أهميته الإجرائية، تحول إلى وسيلة لتجنب مواجهة البنية الوظيفية للكيان الصهيوني بوصفها "آلة محو" لا تقبل الترميم أو الإصلاح.
سادت أجواء المهرجان حالة مشحونة للغاية بالتوتر السياسي منذ لحظاته الأولى؛ إذ واجه هجوماً من أكثر من 80 سينمائياً عالمياً (بينهم تيلدا سوينتون وخافيير بارديم) الذين وقعوا رسالة مفتوحة تتهم المهرجان بالصمت حيال ما وصفوه بـ "الإبادة الجماعية" في غزة، وانتقدوا ما أسموه "العنصرية ضد الفلسطينيين". وزاد التوتر عقب تصريح رئيس لجنة التحكيم، المخرج فيم فيندرز، الذي قال فيه: "يجب البقاء خارج السياسة"، وهو ما عد محاولة لإسكات الأصوات المتضامنة مع فلسطين في مهرجان يعرف تاريخياً بأنه الأكثر تسييساً بين المهرجانات الكبرى.
وفي هذه الحالة الصدامية (المعرفية والأخلاقية)، تحولت المنصات الرسمية إلى جبهة مواجهة بين سردية السلطة وحقيقة الميدان. فبينما حاولت "ماكينة الثقافة" فرض سياسة الصمت، برزت أصوات حطمت هذه المصادرة؛ إذ أعلن انسحاب الكاتبة الهندية أرونداتي روي استحالة الفصل بين الفن والدم (احتجاجاً على تصريحات لجنة التحكيم التي وصفتها بـ "غير المعقولة"، معتبرة أن الفن لا يمكنه الانفصال عن قضايا الإنسانية). وتوجت المخرجة التونسية كوثر بن هنية هذا المشهد بموقفها التاريخي حين رفضت تسلم جائزة "الفيلم الأكثر قيمة" عن عملها "صوت هند رجب"، احتجاجاً على ازدواجية المعايير وتكريم حفل "سينما من أجل السلام" جنرالا إسرائيليا سابقاً (نوعام تيبون) في الحفل نفسه؛ معلنة بصلابة: "إنَّ السلام ليس عطراً يرش على العنف... لن آخذ هذه الجائزة للمنزل.. السينما ليست غسيلاً للصور، والسلام يتطلب العدالة والمساءلة لا الشعارات البراقة".
إنَّ رفض بن هنية للجائزة هو تعريةٌ حقيقيةٌ لما سبق طرحه عن تأميم الذاكرة؛ فحين يُكرَّم جنرالٌ استعماريٌّ تحت لافتة "سينما من أجل السلام"، فنحن أمام محاولةٍ مفضوحةٍ لاستخدام الذاكرة كدرعٍ أيديولوجيٍّ يشرعن الإبادة الراهنة عبر تجميل صورتها. لقد أعادت بن هنية الاعتبار لـ "الزمن الفلسطيني العضوي" المتمثل في استغاثات الطفلة هند رجب، رافضةً أن يتحول هذا الصوت الصادق إلى "تذكارٍ للعدالة المفقودة" في بيتٍ تحكمه معايير القوة لا الحق.
كما أنَّ إصرار المهرجان على الاحتفاء بالقاتل والقتيل في آنٍ واحد، يُعيد إنتاج بنية فراغٍ "رماديةٍ" يمنح فيها الحق في "السلام" لمن يمتلك القوة، ويُترك الفلسطيني لمن يتاجر بمأساته في المهرجانات بينما تشرعن القوى سحقه في الواقع. إنَّ تذرع المؤسسات الثقافية بالحياد هو هروبٌ بائسٌ نحو اللغة الإجرائية الباردة هرباً من الاستحقاق الأخلاقي؛ فالفن لا يُصنع لتزيين الجدران بل لتحطيم أجهزة السيطرة. وهذا ما فعله خطاب بن هنية حين رفضت أن تكون جائزتها "عطراً" يُغطي رائحة الموت في غزة. لقد كشفت أنَّ "البنية الوظيفية" للمهرجانات الغربية تحاول "أسر" الفن الفلسطيني وتحويله إلى "منتجٍ استهلاكيٍّ" يُرضي الضمير الأوروبي دون أن يغير من واقع الإبادة شيئاً.
إنَّ مهرجان برلين، ومن خلفه حفل "سينما من أجل السلام"، سقطا في اختبار الحقيقة. إنَّ الصمت عن إبادة هند رجب، ومحاولة تكريم قاتليها في الفضاء نفسه، هو اعترافٌ بأنَّ هذه المنصات أصبحت ترساً في "جهاز الأسر" الذي يسرق من الفلسطيني زمنه، وجغرافيته، وحقَّه في الحياة. لقد أثبتت كوثر بن هنية أنَّ الفن الذي لا يرتعد أمام صرخة طفلةٍ، ولا يمتلك الشجاعة لرفض "جوائز العار"، هو فنٌّ فاقدٌ للشرعية. إنَّ الحداثة الثقافية في برلين تعيش مأزقاً وجوديّاً؛ لأنها كلما زادت من "تخطيط" مساحات الصمت، زادت صرخة "صوت هند رجب" قوةً وانتشاراً، مؤكدةً أنَّ الحقيقة المادية لا يمكن حبسها في غيتوهات المؤسسات الرسمية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مستقبل الانسحاب الإسرائيلي وعلاقته بأداء الجيش اللبناني المي


.. تصعيد أمريكي جديد ضد إيران لدفع طهران إلى طاولة المفاوضات




.. العاشرة | لحظة الاختيار.. رئيس لبنان يوجه رسالة للمواطنين


.. العالم الليلة | العراق يعتقل مسؤولين جدد في قضايا فساد




.. هجمات أميركية لا تتوقف على إيران.. هل عاد ترامب لاستراتيجية