الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صورة المشهد السياسي في المغرب مؤسسات قائمة وثقة متآكلة...
محمد الزيري
صحفي مهني، باحث اكاديمي حاصل على شهادة الدكتوراه
(Ezziri Mohammed)
2026 / 2 / 23
السياسة والعلاقات الدولية
رغم الاستقرار الذي يقدم كعنوان عريض للمرحلة، فإن الواقع السياسي بالمغرب يكشف عن مفارقة صارخة: مؤسسات دستورية قائمة، وانتخابات منتظمة، وخطابات رسمية تتحدث عن الإصلاح، مقابل منسوب ثقة يتآكل تدريجياً، وشعور عام بأن الفعل السياسي فقد جزءا كبيرا من روحه وتأثيره. فالمشكل اليوم لم يعد في غياب النصوص أو الهياكل، بل في ضعف النجاعة، وغياب الجرأة في تحمل المسؤولية، وتحول جزء من العمل الحزبي إلى تدبير تقني بارد يخلو من النفس السياسي.
الأحزاب، التي يفترض أن تكون وسيطا حقيقيا بين الدولة والمجتمع، تبدو في كثير من الأحيان منشغلة بتوازناتها الداخلية أكثر من انشغالها بقضايا المواطنين. صراعات المواقع، حسابات المؤتمرات، وإعادة تدوير الوجوه نفسها، كلها مظاهر تعمق الإحساس بأن النخب السياسية لم تجدد أدواتها ولا خطابها. والأسوأ أن بعض الأحزاب تحولت إلى مجرد آلات انتخابية موسمية، تنشط عند الاستحقاقات ثم تختفي من الميدان، تاركة فراغا في التأطير والتواصل.
أما داخل المؤسسات المنتخبة، فالنقاش العمومي لا يرتقي دائما إلى مستوى التحديات. البرلمان، الذي يفترض أن يكون فضاء للمساءلة الصارمة وصناعة التشريع الجريء، ينتقد أحيانا بسبب ضعف المبادرة التشريعية، أو محدودية الرقابة الفعلية على السياسات العمومية. جلسات المساءلة تتحول في بعض اللحظات إلى تبادل خطابي أكثر منه محاسبة دقيقة مبنية على الأرقام والمعطيات. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تقوم المؤسسات بدورها الكامل، أم أنها تكتفي بالحد الأدنى الذي يسمح باستمرار التوازن دون إحداث تحول حقيقي؟
الحكومة من جهتها ترفع شعار الإصلاح وتطلق أوراشا كبرى، لكن جزءا من الرأي العام لا يلمس الأثر المباشر لهذه السياسات على حياته اليومية. الفجوة بين الخطاب والواقع تزداد اتساعاً كلما تأخرت النتائج أو غابت الشفافية في تقييم الأداء. فالإصلاح لا يُقاس بعدد البلاغات ولا بحجم الوعود، بل بمدى انعكاسه على القدرة الشرائية، وجودة الخدمات، وفرص الشغل.
الأخطر من ذلك أن النقاش السياسي نفسه فقد حدّته الفكرية. لم تعد هناك رؤى متباينة بوضوح حول النموذج التنموي أو الخيارات الاقتصادية الكبرى، بل تقارب في البرامج، وتشابه في الشعارات، واختلاف محدود في الأسلوب. هذا التماثل يُضعف التنافس الديمقراطي، ويجعل جزءا من المواطنين يعتبر أن الاختيار الانتخابي لا يحدث فرقا جوهريا في السياسات.
كما أن ضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة يظل نقطة سوداء في المشهد. فحين تقع اختلالات في تدبير قطاع معين، نادرا ما تحدد المسؤوليات السياسية بشكل واضح. تحال الملفات إلى مساطر إدارية أو تقنية، بينما يغيب النقاش السياسي الصريح حول من أخطأ ولماذا. هذا الغموض يغذي الشك ويقوض الثقة.
اليوم، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات والأحزاب ليس فقط تدبير الملفات اليومية، بل استعادة المعنى. السياسة ليست مجرد إدارة للشأن العام، بل هي أيضا رؤية وصراع أفكار وقدرة على الإقناع. وإذا استمرت الأحزاب في الاكتفاء بالأدوار الشكلية، واستمرت المؤسسات في العمل بإيقاع بطيء لا يواكب انتظارات المجتمع، فإن الفجوة ستتسع أكثر بين المواطن وصناديق الاقتراع.
المغرب لا يعاني من فراغ مؤسساتي، بل من أزمة ثقة وأزمة أداء. وبين خطاب الاستقرار ومتطلبات التحول، يبقى السؤال معلقاً: متى تتحول المؤسسات من هياكل قائمة إلى قاطرة فعلية للتغيير؟ ومتى تستعيد الأحزاب دورها كمدرسة للسياسة لا كمنصة لتدبير المواقع؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الجيش السوداني يعلن إسقاط -مسيرة استراتيجية معادية- فوق محاف
.. هجوم مباغت غرب تعز.. انهيار تحصينات الحوثيين تحت القصف الجوي
.. غارات إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر وبلدات عدة جنوبي لبنا
.. نافذة تحليلية | دمشق وأنقرة تدينان العدوان الإسرائيلي وتطالب
.. خارج الصندوق | إيران هربت من مواجهة إسرائيل بالاعتداء على ال